تربية الأحياء المائية البحرية.. قطاع واعد بإمكانات كبيرة وتحديات مؤجلة (تقرير)

2
Jorgesys Html test

كشف التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات عن الحاجة الملحة إلى إرساء منظومة متكاملة لتربية الأحياء المائية البحرية، قادرة على تغطية مختلف حلقات سلسلة القيمة، وذلك من خلال إستكمال الإطار التنظيمي، ووضع آليات تحفيزية لجذب مستثمرين ذوي خبرة، إلى جانب تعزيز تكوين الموارد البشرية وتوفير المنصات الأرضية والبنيات التحتية الضرورية. غير أن هذا الطموح يصطدم، وفق التقرير، بغياب استراتيجية قطاعية واضحة وتأخر في تتميم الإطار القانوني والتنظيمي.

مساهمة محدودة في الإنتاج الوطني رغم المؤهلات

أفاد المجلس الأعلى للحسابات، في الشق المتعلق بالتدبير المستدام للموارد السمكية، أن الإنتاج الوطني من تربية الأحياء المائية البحرية بلغ 3.640 طنا سنة 2024، وهو ما يمثل أقل من 1% من مجموع الإنتاج الوطني لمصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية. وتبقى هذه النسبة ضعيفة مقارنة بالمعدل العالمي، حيث تمثل تربية الأحياء المائية البحرية حوالي 30% من الإنتاج العالمي لمصايد الأسماك، وفق معطيات منظمة الأغذية والزراعة لسنة 2024.

ويرجع التقرير هذه الوضعية إلى ضعف الاستثمارات، وتعقيد المساطر الإدارية، وعدم كفاية إجراءات تقوية القدرات والتأهيل التقني والمهني. كما سجل أن الوكالة الوطنية لتنمية تربية الأحياء المائية تواصل تدبير القطاع منذ انتهاء مخطط “أليوتيس” سنة 2020 دون اعتماد خطة استراتيجية جديدة تأخذ بعين الإعتبار سلسلة القيمة والدمج الأفقي والعمودي داخل قطاع الصيد البحري، ما أثر على وتيرة تطور هذا النشاط.

في المقابل، أكدت كل من رئاسة الحكومة وكتابة الدولة المكلفة بالقطاع في ردها على ملاحظات المجلس ،  إعتماد الوكالة لإستراتيجية واضحة ومتكاملة، في إطار استمرارية رؤية مخطط أليوتيس بناء على مكتسبات المرحلة السابقة، مع مراعاة التحولات الوطنية والدولية. غير أن المجلس أشار إلى عدم توصله بما يثبت الشروع الفعلي في تنزيل هذه الإستراتيجية.

من جهتها أكدت وزارة الإقتصاد والمالية أنه رغم المجهودات التي قامت بها الدولة من أجل الرفع من مستوى قطاع تربية الأحياء المائية البحرية، وذلك من خلال تدبير التمويل المالي الموجه للوكالة الوطنية لتنمية الأحياء البحرية والتعاقد مع البنك الدولي في إطار الإقتصاد الأزرق والبنك الإسلامي، يعرف هذا القطاع تأخيرا في تنزيل المشاريع المبرمجة ضمن ميزانية الدولة المخصصة له ، والذي يرجع بالأساس لعدة صعوبات إدارية وتقنية كتعقيدات الحصول على التراخيص المختلفة ونقص الموارد البشرية المؤهلة من عمال وتقنيين وعدم وجود مصنعي تجهيزات تربية الأحياء المائية بالمغرب، وكذا اعتماد أنشطة هذا القطاع على الخبرات الأجنبية واستيراد مختلف المواد المستعملة.

إطار قانوني متأخر وتنزيل تنظيمي غير مكتمل

سجل التقرير أن القانون المتعلق بتربية الأحياء المائية البحرية رقم 84.21 لم يصدر إلا في 13 دجنبر 2022، أي بعد نحو 12 سنة من إحداث الوكالة الوطنية لتنمية تربية الأحياء المائية، وهو ما انعكس سلبا على تطور القطاع، بالنظر إلى الحاجة الملحة لتحيين الإطار القانوني وتشجيع الإستثمار. ورغم صدور القانون، فإن تفعيله ما يزال رهينا بإصدار نصوصه التنظيمية، إذ لم يصدر من أصل 30 نصا متوقعا سوى مرسومين، يتعلق الأول بإحداث المجلس الوطني لتربية الأحياء المائية البحرية، والثاني بالمخططات الجهوية لتهيئة وتدبير تربية الأحياء المائية البحرية.

إلى ذلك ما زالت نصوص تطبيقية ذات أهمية لم تصدر بعد كتلك المتعلقة بكيفيات تسليم رخص مزارع تربية الأحياء المائية البحرية وتعليقها وسحبها، و بكيفيات تسليم رخص إدخال كائنات تربية الأحياء المائية ونقلها، وبكيفيات تسليم اعتماد أحوا ض السمك وتجديده ومراقبته وتعليقه وسحبه

وقد عزت رئاسة الحكومة وكتابة الدولة المكلفة بالقطاع هذا التأخر إلى كون إعداد القانون جاء نتيجة تجربة ميدانية امتدت لأزيد من عشر سنوات، مؤكدة أن النصوص التطبيقية توجد في مراحل متقدمة من الدراسة والمصادقة، على أن يتم نشرها تدريجيا في أقرب الآجال.

مخططات جهوية متأخرة وعرض استثماري محدود الجاذبية

أبرز المجلس الأعلى للحسابات أن إعداد المخططات الجهوية لتنمية تربية الأحياء المائية عرف تأخيرات مهمة خلال الفترة 2013-2022، تجاوزت في بعض الحالات ست سنوات، رغم أن مدة إنجاز الدراسات حددت ما بين خمسة وعشرة أشهر. وأرجع التقرير ذلك إلى تأخر الدراسات، ونقص المعطيات، والحاجة إلى دراسات بيئية وتقنية وسوسيو-اقتصادية، إضافة إلى مسطرة الموافقة البيئية.

ورغم ذلك، دافعت كتابة الدولة المكلفة بالقطاع عن هذه الآجال، معتبرة أن المدد المحددة تخص فقط الجانب التقني، ولا تشمل مراحل التشاور والمساطر القانونية الضرورية لإعداد مخطط متكامل وقابل للتنفيذ. كما أكدت أن إنجاز هذه المخططات قبل صدور القانون كان ضرورة إستراتيجية لتوجيه المستثمرين، وأن القانون الجديد لم يلغ هذه المكتسبات بل عززها.

ومع صدور القانون (رقم 84.21) في دجنبر 2022، والذي حدد كيفية بلورة مخططات تربية الأحياء المائية البحرية وأهدافها وضرورة المصادقة عليها بمرسوم، قد  أصبح  من الضروري يؤكد المجلس،  إعادة النظر في المخططات الجهوية الحالية رغم حداثتها، مما يثير التساؤل حول فعالية الخيار الإستراتيجي للإستثمار في إعداد المخططات في غياب الأساس القانوني والإنعكاسات المحتملة لتحيين المخططات والمصادقة عليها على الوضعية الحالية.

وقد أشارت كتابة الدولة المكلفة بقطاع الصيد البحري وفق ما جاء في ذات التقرير، أن القانون رقم 84.21 لم يتم نشره إلا في أواخر سنة 2022،  أي بعد أزيد من عشر سنوات على انطلاق عمل الوكالة الوطنية لتنمية تربية الأحياء المائية البحرية، وأن عدم إنجاز المخططات الجهوية خلال هذه الفترة، في انتظار صدور الإطار القانوني، كان سيشكل عائقاً كبيراً أمام قيام الوكالة  بمهامها الأساسية، وعلى رأسها توجيه المستثمرين نحو مناطق ملائمة لتطوير مشاريع مستدامة. وأضافت كذلك أن إنجاز هذه المخططات في مرحلة سابقة لم يكن مجرد خيار، بل ضرورة استراتيجية لضمان الإنطالقة السليمة والمنظمة للقطاع، في انتظار صدور الإطار القانوني الذي لم يأت ليُلغي هذه المكتسبات، بل ليُعززها ويمنحها قوة إلزامية ومؤسساتية أكبر.

 حددت هذه المخططات الجهوية مساحة إجمالية صالحة للاستثمار تناهز 24.081 هكتارا موزعة على 1536 قطعة على طول الساحل المغربي. غير أن طلبات إبداء الاهتمام التي أطلقتها الوكالة مكنت، إلى حدود نهاية 2024، من تفويت 34% فقط من مجموع البقع المعروضة، أي ما يعادل 21% من المساحة الإجمالية، وهو ما اعتبره المجلس مؤشرا على ضعف جاذبية العرض الاستثماري.

وردت كتابة الدولة المكلفة بقطاع الصيد البحري على هذه المعطيات بتأكيدها أن نسبة %21 من استغلال المساحات المؤهلة لا تعكس بالضرورة ضعف الجاذبية، بل تُظهر دينامية تتلاءم مع الطبيعة الناشئة لهذا القطاع. فتربية الأحياء المائية في المغرب هي قطاع في طور البناء، يحتاج إلى نواة أولية للتطوير من أجل تعبئة جميع الفاعلين، وجذب اهتمام المستثمرين، وتعزيز حلقات سلسلة القيمة. وأشارت كذلك أن هذه النتائج الأولية ال تعتبر مؤشراً على ضعف الجاذبية، بل تعكس مرحلة ضرورية للنضج، خاصة في قطاع يحتاج إلى التطور التدريجي بما يتناسب مع إمكانياته وخصوصياته .

تنفيذ محدود للمشاريع المرخصة وتحديات خاصة بمشاريع الشباب

على مستوى إنجاز المشاريع سجل تقرير المجلس أن الجهة المختصة قد رخصت لـ317 مشروعا، أنجز منها 175 مشروعا فقط باستثمارات بلغت 1,45 مليار درهم، ووفرت حوالي 2300 منصب شغل مباشر. وسجل التقرير تأخرا لافتا في إنجاز مشاريع المستثمرين الشباب (112 مشروعا) والتي يتم تمويلها كليا من الدعم القطاعي تحت إشراف مباشر من وكالة تنمية تربية الأحياء المائية تأخرا مهما في الإنجاز فاق ست سنوات، علما أن هذه العملية انطلقت منذ سنة 2018 وبلغت كلفة الإستثمارات المنجزة 71 مليون درهم إلى حدود نهاية سنة 2024 . وتعود أسباب التأخير حسب الوكالة إلى عدم وجود مصنعي تجهيزات تربية الأحياء المائية بالمغرب وقلة الشركات والمتخصصين والسفن المختصة في تركيبها والظروف المناخية.

وبخصوص تحقيق الأهداف الإنتاجية المتعلقة بالمشاريع، أفاد التقرري أن وإلى حدود متم سنة 2024 تُظهر المقارنة بين الإنتاج المستهدف من الإستثمارات (102800 طنا) والإنتاج المحقق على المستوى الوطني (3640 طنًا)، أن هذا الأخير لا يمثل سوى %3,4 من التوقعات. وترجع هذه الوضعية إلى التأخر في الحصول على الرخص وفي إنجاز الإستثمارات وفي استغلال المشاريع .

و أكدت كتابة الدولة المكلفة بقطاع الصيد البحري أن الغالبية العظمى من مشاريع تربية الأحياء المائية لم تحصل على تراخيصها إلا اعتبا ًرا من عام ، 2019 وقد تزامنت هذه السنة مع أزمة كوفيد19-،  التي امتدت آثارها حتى عام 2022 .  إلى ذلك، تضاف الصعوبات التي واجهها المستثمرون في اقتناء المعدات بسبب ندرة مستلزمات الإنتاج وارتفاع تكاليف النقل الدولي بشكل كبير. أضافة لذلك، أشارت أن إنشاء مزرعة لتربية الأحياء المائية قد يستغرق ما بين 12 و36 شهًرا، حسب نوع المشروع. ويتم التسويق الأول للمنتجات بعد مدة تتراوح بين 12 و24 شهًرا، اعتمادًا على الأنواع المستزرعة. علاوة على ذلك، تحتاج المزرعة المائية إلى ما لا يقل عن سبع سنوات للوصول إلى أقصى طاقتها الإنتاجية، وذلك شريطة توافر ظروف مثالية من حيث البيئة المحيطة والسوق.

صعوبات هيكلية وآفاق إصلاح مؤجلة

خلص المجلس الأعلى للحسابات إلى أن القطاع ما يزال يواجه تحديات إدارية وتقنية وهيكلية، من بينها تعقيد مساطر الترخيص، الإعتماد الكبير على الخبرات الأجنبية، ضعف التصنيع المحلي لمعدات تربية الأحياء المائية، صعوبة الولوج إلى التمويل والتأمين، ونقص الموارد البشرية المؤهلة، فضلا عن الخصاص في المنصات الأرضية والبنيات التحتية الأساسية.

وعلى صعيد آخر وفق المجلس، لم تمكن التحفيزات الضريبية التي تم التنصيص عليها في إطار قوانين المالية لسنوات 2016 و 2018 و 2024  ، والتي تروم تخفيض الرسوم الجمركية إلى نسبة %2,5 على المدخلات المستوردة والإعفاء من الضريبة على القيمة المضافة، والدعم القطاعي بقيمة 164 مليون درهم عن الفترة -2021 الموجه لمشاريع المستثمرين الشباب، من الرفع من مؤشرات نمو قطاع تربية الأحياء المائية وتسريع وتيرة الإستثمار وزيادة العرض الوطني  .

وبينت كتابة الدولة المكلفة بقطاع الصيد البحري في تفاعلها مع الملاحظات المذكورة،  أن التحفيزات والإجراءات أسهمت في تخفيض التكاليف وتحفيز المستثمرين على الدخول إلى هذا القطاع الواعد، غير أن مؤشرات أداء المزارع لا تظهر بشكل واضح وملموس إلا عندما تصل المشاريع إلى مرحلة النضج وتحقيق وتيرة نمو مستقرة . وأضافت أنه رغم ذلك، تُسجل بيانات المؤشرات تحسنا ملحوظا وسلسا سنة بعد سنة، مما يعكس تأثير إيجابيا للتحفيزات والدعم القطاعي على تطوير هذا المجال.

إلى ذلك سجلت  كتابة الدولة المكلفة بقطاع الصيد البحري،  أن التحديات القائمة تشكل محاور أساسية ضمن خارطة الطريق لتطوير القطاع في أفق 2027، مشيرة إلى برمجة خمسة مشاريع منصات أرضية، خاصة بجهتي الداخلة وسوس ماسة، غير أن المجلس أشار إلى عدم توصله بالخطط التفصيلية المتعلقة بهذه المشاريع.

وبين تشخيص المجلس الأعلى للحسابات وتوضيحات القطاعات الحكومية، يظل قطاع تربية الأحياء المائية البحرية رهينا بقدرة السياسات العمومية على الإنتقال من منطق التخطيط المؤجل إلى منطق التنفيذ الفعلي، بما يعزز الثقة الإستثمارية ويحول الإمكانات الطبيعية المتاحة إلى رافعة حقيقية للتنمية المستدامة.

Jorgesys Html test

2 تعليق

  1. تعتمد مراحل تربية الأحياء المائية بالداخلة على استراتيجية متكاملة تبدأ باختيار المواقع وتجهيز البنيات التحتية، مروراً بإنتاج الصغار في مفارخ متطورة (أسماك/صدفيات)، وصولاً إلى تسمينها في أقفاص عائمة، وتتوج بحصادها وتسويقها بعد 12-24 شهراً، مدعومة بتأطير تقني من الوكالة الوطنية لتنمية تربية الأحياء البحرية. 
    https://www.cpmas.ma/%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%b1%d8%a7%d9%81%d8%b9%d8%a9-%d8%ad%d9%82%d9%8a%d9%82%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84/

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا