السيادة الغذائية بين منطق الشراكة وضغوط المصالح الأوروبية !

0
Jorgesys Html test

بقلم : عبد الخالق جيخ*

أثار قرار المملكة المغربية تعليق تصدير السردين المجمّد موجة من ردود الفعل الأوروبية، وبخاصة في إسبانيا، عكست قدرًا من التوتر الذي يتجاوز طابعه التجاري الظرفي ليكشف عن اختلاف عميق في زوايا النظر إلى مفهوم الشراكة الاقتصادية وحدودها. فالقرار المغربي، في جوهره، لا يمكن فصله عن سياق وطني ودولي يتسم بتزايد الوعي بأهمية السيادة الغذائية وحتمية التدبير المستدام للموارد الطبيعية، في مقابل خطابات أوروبية بدت في بعض تجلياتها أسيرة منطق نفعي ضيق، ينظر إلى الموارد البحرية المغربية باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لسلاسل الإنتاج الصناعية في الضفة الشمالية.

لقد استندت الرباط، في اتخاذها هذا القرار، إلى معطيات موضوعية تتعلق بضغط الاستغلال على مخزون السردين، وبالحاجة إلى ضمان تزويد السوق الوطنية بمادة أساسية تمس الأمن الغذائي اليومي للمواطنين، فضلًا عن حماية الصناعات المحلية المرتبطة بالصيد البحري من تقلبات العرض والطلب الخارجية. وهي اعتبارات تنسجم تمامًا مع التوجهات العالمية التي باتت تُعلي من شأن الاستدامة والعدالة في توزيع الثروات الطبيعية، وتمنح الدول حق إعادة ترتيب أولوياتها وفق مصالحها الاستراتيجية.

في المقابل، كشفت بعض المواقف الإسبانية عن ميل إلى اختزال العلاقة مع المغرب في بعدها الوظيفي، حيث يُنظر إلى السردين المغربي كمدخل مضمون لتغذية مصانع التعليب والتحويل، دون اكتراث كافٍ بالكلفة البيئية للإستنزاف أو بالتحولات التي يعرفها الإقتصاد المغربي. هذا المنظور، وإن لبس لبوس الدفاع عن حرية السوق، سرعان ما يتخلى عن هذه المبادئ، حين تُمارس دولة جنوبية حقها السيادي في تنظيم صادراتها، ما يفضح ازدواجية في المعايير، ويطرح تساؤلات مشروعة حول معنى الشراكة المتكافئة.

إن ما يطفو على السطح هنا ليس مجرد خلاف حول مادة سمكية، بل صراع هادئ بين تصورين، تصور يعتبر الموارد الوطنية رافعة للتنمية الداخلية، يجب تحصينها من منطق الإستنزاف، وآخر يتعامل معها كحلقة في سلسلة إنتاج عابرة للحدود، تُقدَّم فيها مصلحة الصناعات الشمالية على حساب التوازنات المحلية للدول المصدّرة. ومن هذا المنطلق، فإن القرار المغربي يندرج ضمن مسار أوسع لإعادة التموقع، يؤكد أن الشراكات الحقيقية لا تقوم على التبعية، بل على الإحترام المتبادل وتفهم أولويات كل طرف.

وفي هذه اللحظة الدقيقة، يصبح من الضروري أن يعبّر المغاربة، بمختلف مواقعهم، عن دعمهم الواضح لهذا الإختيار السيادي، انطلاقًا من وعي جماعي بأن حماية الثروة الوطنية، شرط أساسي لبناء تنمية مستدامة. فتماسك الجبهة الداخلية، حين يتعلق الأمر بالقرارات الإستراتيجية، يبعث برسالة قوية مفادها أن الوطن ومصلحته العليا يظلان فوق كل اعتبار، وأسمى من أي ضغوط ظرفية أو حسابات خارجية.

*عبد الخالق جيخ: فاعل كنفدرالي سابق ن مدون مهتم بشؤون الصيد البحري 

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا