في سياق يتسم بتفاقم الإجهاد المائي وتوالي سنوات الجفاف، باتت تحلية مياه البحر أحد أهم الرهانات الإستراتيجية التي يعول عليها المغرب لضمان أمنه المائي، سواء لتأمين التزود بالماء الصالح للشرب أو لدعم الأنشطة الفلاحية. غير أن هذا الخيار، رغم طابعه الحيوي، يطرح تحديات معقدة على المستويات التقنية والمالية والمؤسساتية، إذ يكشف التقرير الآخير للمجلس الأعلى للحسابات عن اختلالات بنيوية تستدعي معالجة عميقة واستباقية.

لقد شهدت السنوات الأخيرة تسارعا ملحوظا في برمجة وإنجاز مشاريع تحلية مياه البحر، خاصة في إطار البرنامج الوطني للتزويد بالماء الصالح للشرب ومياه السقي، مع إعتماد متزايد على الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتمويل وإنجاز هذه المشاريع ذات الكلفة الإستثمارية المرتفعة والطابع التكنولوجي المعقد. وتشير المعطيات إلى أن محطات التحلية المبرمجة في إطار هذه الشراكات ستشكل، في أفق 2030، ما يقارب ثلاثة أرباع القدرة الإجمالية للتحلية بالمغرب، وهو ما يعكس تحولا هيكليا في نموذج تعبئة الموارد المائية غير الإعتيادية.
غير أن هذا التوجه، ورغم وجاهته في ظل الإكراهات الميزانياتية، يثير تساؤلات جوهرية حول تدبير المخاطر المرتبطة بنقل جزء من مسؤولية إنتاج مورد حيوي وحساس إلى القطاع الخاص. فالماء ليس سلعة عادية، بل خدمة عمومية أساسية، ما يفرض على الدولة الحفاظ على دور محوري في التخطيط والتنظيم والمراقبة، وضمان إستمرارية التزود وجودة الخدمة، خاصة في الحالات الطارئة أو غير المتوقعة.
ويبرز التقرير عددا من المشاريع الكبرى التي تجسد هذا التحول، من بينها محطة الداخلة التي تُعد أول تجربة للشراكة بين القطاعين العام والخاص في مجال التحلية، ومحطة أكادير التي دخلت حيز الاستغلال منذ 2022، إضافة إلى مشروع محطة الدار البيضاء الذي يُرتقب أن يشكل أكبر منشأة من نوعها بالمملكة. غير أن هذه الدينامية، على أهميتها، لا تخلو من مخاطر تقنية، خاصة ما يتعلق بجودة الدراسات الأولية، واختيار مواقع مآخذ المياه، وتصميم أنظمة المعالجة الأولية، وهي عناصر حاسمة في ضمان استقرار الإنتاج واستدامته.
وفي هذا الإطار، يشكل مثال محطة تحلية مياه البحر بآسفي دلالة واضحة على كلفة التسرع وضغط الآجال، حيث أُنجز المشروع في سياق استعجالي دون استيفاء مدة كافية للاختبارات التقنية، ما أدى إلى تسجيل انقطاعات متكررة وانخفاض في وتيرة الإنتاج بعد بدء تشغيلها. ويؤكد التقرير أن مثل هذه الإختلالات لا تقتصر آثارها على الجوانب التقنية فقط، بل تمتد لتشمل كلفة إضافية على المالية العمومية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
وتتجلى الإشكالية المالية لتحلية مياه البحر بشكل أوضح في الفجوة الكبيرة بين تكلفة إنتاج المياه المحلاة وتسعيرة بيعها، إذ تتراوح كلفة المتر المكعب غير المدعم في بعض المشاريع بين مستويات مرتفعة، في حين تبقى أسعار البيع خاضعة لإعتبارات اجتماعية واقتصادية. وقد أفرز هذا الوضع عجزا تشغيليا هيكليا، خاصة بالنسبة للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، استدعى تدخل الدولة عبر دعم الإستغلال لضمان التوازن المالي واستمرارية الخدمة.
ورغم الرهانات المعقودة على خفض كلفة التحلية مستقبلا، من خلال الإعتماد على الطاقات المتجددة ودمج المشاريع ورفع قدراتها الإنتاجية، يؤكد التقرير أن هذه الأهداف تظل مشروطة بتحسين حكامة المشاريع، وضبط المخاطر التعاقدية، وتسريع إستكمال البنيات التحتية المرافقة، ولا سيما شبكات الربط بالماء والكهرباء. كما أن ضعف مردودية شبكات التوزيع يفاقم من كلفة الماء المحلى، ويحد من الأثر الإيجابي للإستثمارات الضخمة الموجهة لهذا القطاع.
في المحصلة، تكشف معطيات التقرير أن تحلية مياه البحر تمثل خيارا إستراتيجيا لا غنى عنه في السياق المائي الراهن، لكنها في الوقت ذاته ليست حلا تقنيا محضا، بل ورشا مركبا يتطلب رؤية متكاملة، وحكامة قوية، وإدارة استباقية للمخاطر، تضمن التوازن بين متطلبات الأمن المائي والإستدامة المالية وحماية المصلحة العامة. فنجاح المغرب في هذا الرهان لا يقاس فقط بعدد المحطات أو حجم المياه المنتجة، بل بقدرته على تحويل التحلية إلى خدمة عمومية فعالة، مستدامة، ومتكاملة ضمن منظومته المائية الشاملة.
وقد أوصى المجلس بتعزيز جهود تحسين مردودية شبكات توزيع المياه الصالحة للشرب، وخاصة شبكات توزيع المياه المحالة، وذلك من خلال وضع خطة عمل سنوية لتحقيق الأهداف المرجوة بالتعاون مع الأطراف المعنية؛ كما أوصي المجلس، كذلك، بتحسين نموذج التخطيط الإستراتيجي لتعبئة الموارد المائية من أجل الإستعداد للظرفيات المائية الحرجة وضمان رؤية أفضل للقطاع الفلاحي؛ مع تسريع تبني النصوص التنظيمية المتعلقة باستخدام الموارد المائية غير الإعتيادية، لا سيما تلك التي تهم عقد الإمتياز ودفتر تحملات محطات تحلية المياه، والمساهمة المالية والمساعدة التقنية ومتابعة جودة المياه المعالجة.
وستكون لنا عودة لأهم المحاور الواردة في التقرير بخصوص هذا الورش الإسترتيجي

























