في منطقة “تيكرت” الساحلية، حيث تلتقي وعورة الجبال بصخب المحيط، ترسم يوميا لوحة من الشقاء الصامت. بطلاتها نساء “دوار اكراز” بجماعة تامري، اللواتي يقطعن منعرجات الجبلية الوعرة مشياً على الأقدام لأزيد من ساعة ونصف، وصولاً إلى الشاطئ. ليست رحلة استجمام، بل هي “معركة بوزروك” شبه اليومية التي تخوضها هؤلاء النسوة ، بحثاً عن لقمة عيش مغمسة بملوحة البحر وقسوة الظروف.

بحرقة شديدة، تصف فاطمة ازضوض، رئيسة تعاونية “محار الساحل” بتيكرت، واقع حال هؤلاء النسوة قائلة: “لقد أصبحت نساء بوزروك اليوم منسيات، يعانين يومياً في صمت، مع القنوات الرسمية لتسويق منتوجاتهن، رغم كل الوعود التي تلقيناها من الجهات المسؤولة”. وتضيف ازضوض أن الإلتزام بالتكوينات البحرية لم يشفع لهن في نيل الدعم المادي الكفيل بتقليص معاناتهن، بدءاً من توفير مقر رسمي وصولاً إلى وحدة عصرية للتصنيع والتثمين.
وتؤكد رئيسة التعاونية أن هؤلاء “الصيادات بالأرجل” يضعن كل آمالهن في تشكيل وحدة صناعية تقطع مع “الأساليب التقليدية والمزرية” التي يشتغلن فيها، وتضمن لهن تسويق المنتوج في ظروف قانونية وصحية تحميهن من الإستغلال وضياع الجهد.
ولا تقتصر المعاناة على البحر، بل تمتد بداية من “دوار اكراز” إلى ساحل تيكرت رحلة شاقة، قد تزداد تعقيداً في حال غياب خدمة “الخطاف” التي توفر التوصيل أحياناً. وعند الوصول، تبدأ عملية الجني الشاقة، لتليها مرحلة المعالجة التقليدية التي تفتقر لأبسط معايير السلامة الصحية.

وبسبب غياب وحدة إنتاج مجهزة، تعمد النساء إلى تنقية بوزروك عبر فرشه على الأرض وتغطيته بالحطب لإشعال النار فوقه لكي “يتفسخ” اللب، ثم يعرض تحت أشعة الشمس لثلاثة أيام. هذا الأسلوب البدائي، الدي يغيّب رخص السلامة الصحية، يحرم النساء من ولوج الأسواق الكبرى بمدينة أكادير، هدا دون الحديث عن تطفل بعض من جامعي بوزروك بطريقة عشوائية غير صحية من خلال شحن المنتوج عبر أكياس بلاستيكية، مما يضعف الطلب والمردودية.
وتتجاوز الأزمة الجانب التقني لتصل إلى عمق الحقوق الإجتماعية تقول الفاعلة في القطاع التعاوني، حيث تفتقر هؤلاء النسوة لأي تغطية صحية أو نظام تقاعد، رغم المخاطر الجسدية التي يتعرضن لها يوميا. وتزداد حدة المعاناة خلال شهر رمضان، حيث تتوقف النساء تماماً عن العمل البحري، مما يقطع مصدر رزقهن الوحيد ويفاقم من مصاريفهن اليومية، في ظل انعدام أي سند مادي. هدا و نبهت ازضوض إلى خطر آخر يهدد استدامة هذا المورد، وهو الجني العشوائي والمكثف من طرف جهات محسوبة على مجال تربية الأحياء المائية، والذين يقومون بجلب كميات ضخمة تسببت في نقص حاد في المنتوج وقتل التوازن البيئي للمنطقة.
أمام هذا الوضع القاتم، لا تزال بارقة الأمل تلوح في أفق “تعاونية محار الساحل”. إذ تؤكد فاطمة ازضوض أن “الأمل الأخير” الذي يتطلعن إليه هو تشكيل اتحاد نسوي يجمع كافة التعاونيات العاملة في مجال “بوزروك” بالمنطقة. هذا التكتل، حسب رؤيتها، هو السبيل الوحيد لانتزاع الحقوق، وتوفير وحدة صناعية تحترم معايير السلامة، وتضمن كرامة نساء قدمن الغالي والنفيس لمواكبة العمل البحري في أصعب الظروف.

وبين مطرقة الجبل وسندان البحر، تظل نساء تيكرت في انتظار التفاتة حقيقية تحول وعود “الجهات المسؤولة” إلى واقع ملموس، ينقذهن من العشوائية ويمنحهن قيمة يستحققنها كفاعلات أساسيات في الاقتصاد البحري المحلي.




























