إحتضن المقر المركزي للمكتب الوطني للصيد، اليوم الخميس، اجتماعا تشاوريا خصص لمناقشة قرار المكتب بإعتماد مقتضيات جديدة لتنظيم الأداء عبر الشيك داخل أسواق السمك بالجملة ومراكز الفرز الصناعي. وهو اللقاء، الذي جاء في ظرفية دقيقة تتقاطع فيها رهانات الشفافية مع متطلبات الاستقرار المهني، حيث عرف الإجتماع مشاركة ممثلي التنظيمات المهنية لتجار السمك ، ممثلة في الكنفدرالية الوطنية لتجار السمك بالموانئ والأسواق المغربية والكنفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة، إلى جانب إتحاد جمعيات تجار المنتجات البحرية بالمغرب. فيما ترأس اللقاء كل من الكاتب العام للمكتب الوطني للصيد وبحضور مدير القطب التجاري للمكتب الوطني للصيد ومجموعة من أطر المكتب لاسيما المحاسب العام المكلف بهذا الورش.

وعكس النقاش توترا خفيا بين ضرورة فرض ضوابط مالية صارمة وبين الحفاظ على توازنات مهنية راكمت عبر سنوات من التعامل والثقة. حيث أكد المكتب خلال عرض تم تقديمه في افتتاح اللقاء أن اللجوء إلى الشيك المصادق عليه يأتي استجابة لملاحظات وتوصيات صادرة عن المجلس الأعلى للحسابات الذي يسهر على مراقبة المؤسسات العمومية وإستعمال المال العام، وتوصياته تعد ذات طابع إلزامي ترمي إلى ضمان حسن التدبير وترسيخ مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة ، فيما تم التأكيد خلال اللقاء على أن النظام السابق لم يكن يوفر ضمانات كافية لتأمين المعاملات، خاصة في ظل غياب ضمانات مادية أو بنكية مباشرة.
وسجل المتدخلون أن خصوصية قطاع تسويق المنتوجات البحرية تجعل الأموال المتداولة في هذه العمليات لا تعود حصريًا للمكتب الوطني للصيد البحري، بل تتداخل فيها حقوق عدة أطراف، من بينها وكالة الموانئ، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والبحارة، والمجهزون، والتجار، مما يجعل أي تأخير أو إخلال بالإلتزامات ينعكس سلبًا على الجميع، مع تحمل المكتب في كثير من الأحيان تبعات ذلك، بإعتباره المسؤول على المعاملات . ومعه يبقى اعتماد الشيك المصادق عليه، إجراء احترازيا يهدف إلى حماية هذه المنظومة المعقدة، خاصة في ظل تراجع منسوب الثقة بين بعض المتدخلين، رغم أن حالات الإخلال تبقى محدودة ولا تعكس سلوك الأغلبية، وفق ما أكده عبد اللطيف السعدوني، رئيس الكنفدرالية الوطنية لتجار السمك بالموانئ والأسواق المغربية .
وأكد السعدوني ان الإجتماع عرف تفهما من حيث المبدأ لطروحات المكتب الوطني للصيد البحري ، مبرزا ان في المحصلة العامة أظهرت النقاشات مجموعة من التحفظات العملية، خصوصًا ما يتعلق بضرورة مراعاة خصوصية التجار واختلاف أوضاعهم. وكذا الكيفية التي سيتم بها تنزيل هذه الإجراءات، حيث شددوا على ضرورة مراعاة التفاوت القائم بين الفاعلين داخل القطاع. فهناك، بحسب تعبيرهم، تجار راكموا سنوات طويلة من التعامل دون تسجيل أي إخلال، ويتمتعون بثقة المؤسسات، وهو ما يستدعي، في نظرهم، اعتماد مقاربة مرنة تتيح إمكانية التمييز الإيجابي أو منح صلاحيات تقديرية للمندوبين الجهويين. كما تم التأكيد على ضرورة تأجيل تفعيل القرار لمدة شهر، ومنح التجار وقت إضافي من أجل تعميق التشاور ، فيما من المنتظر أن تحسم الإدارة في مستقبل القرار، بعد دراسة المقترحات المقدمة خلال اللقاء على المستوى المركزي .
من جهته، أبرز بشعيب شادي، رئيس الكنفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة، أن الإجتماع مر في أجواء مشحونة، لكنه اتسم أيضا بعمق النقاش وتعدد وجهات النظر. وأوضح أن الإدارة، رغم تمسكها بخيار تفعيل قرارها بخصوص مستقبل تدبير المعاملات المالية ، أبدت استعدادا لمواصلة التشاور، خاصة من خلال برمجة لقاءات إضافية مع المديرين الجهويين والمناديب، بهدف توسيع دائرة النقاش والبحث في إمكانية إدخال تعديلات تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات كل فئة من التجار.
وأكد شادي أن التنظيمات المهنية أجمعت على ضرورة الحفاظ على التوازن داخل السوق، محذرا من أي إجراء قد يفتح الباب أمام احتكار محتمل أو إقصاء فئات معينة، وهو ما قد يتعارض مع أهداف تثمين المنتوج البحري وتعزيز تنافسيته. كما شدد على أهمية تمكين التجار من هامش اختيار بين الشيك المصادق عليه وبدائل أخرى مثل الضمانات البنكية، بما يضمن مرونة أكبر في المعاملات.
وكان المكتب الوطني للصيد البحري قد أعلن في وقت سابق عن اعتماد إجراءات جديدة لتنظيم الأداء بواسطة الشيك على مستوى أسواق السمك بالجملة ومراكز فرز السمك الصناعي. ويأتي هذا الإجراء وفق الجهات المسؤولة في سياق الجهود المتواصلة الرامية إلى حماية مختلف المتدخلين في سلسلة تسويق المنتوجات البحرية، وتفادي المخاطر المرتبطة بالشيكات دون رصيد، أو حالات عدم الأداء التي قد تؤثر على إستقرار المعاملات التجارية داخل هذه الفضاءات الحيوية.
وأوضح المكتب الوطني للصيد البحري، أن التجار الراغبين في أداء مشترياتهم بواسطة الشيك باتوا ملزمين بالامتثال لأحد خيارين أساسيين قبل الولوج إلى عمليات الشراء داخل أسواق السمك بالجملة ومراكز الفرز الصناعي وذلك ابتداءً من فاتح أبريل 2026. ويتمثل الخيار الأول في التحصيل الفعلي المسبق لمبلغ الشيك في الحساب البنكي الخاص بالمكتب، فيما يتيح الخيار الثاني الإدلاء بشيك مصادق عليه من طرف المؤسسة البنكية، وهو ما يشكل ضمانة مالية تضمن سلامة المعاملة وتفادي أي إشكالات محتملة خلال تنفيذ عمليات الأداء.
ويشدد البلاغ على أن استيفاء أحد هذين الإجرائين أصبح شرطاً ضرورياً قبل السماح بإجراء عمليات الشراء داخل أسواق السمك بالجملة ومراكز فرز السمك الصناعي، المعروفة اختصاراً بـ CAPI. ويهدف هذا التدبير إلى تعزيز الشفافية وتأمين المعاملات داخل أسواق السمك، عبر إرساء بيئة تجارية أكثر أماناً وتنظيماً، بما يضمن إستمرارية المعاملات بشكل سلس، ويحافظ على حقوق مختلف الأطراف المتدخلة في سلسلة التسويق، من مهنيي الصيد إلى تجار الجملة وباقي الفاعلين في القطاع.
كما دعا المكتب الوطني للصيد البحري المهنيين إلى التقيد بهذه الإجراءات، أو اعتماد وسائل أداء أخرى متاحة، من قبيل التحويل البنكي أو الكفالة البنكية أو الأداء نقداً، وذلك تفادياً لأي اضطراب قد يطرأ على إنجاز المشتريات داخل الأسواق والمراكز المعنية. ويعكس هذا التوجه رغبة المؤسسة في مواكبة تطور المعاملات التجارية وتعزيز آليات الضبط المالي بما يواكب دينامية قطاع الصيد البحري ويضمن استقراره.




























