خيم الحزن أمس الخميس على أوساط البحارة والمهنيين بميناء الصويرة، بعدما لفظ أحد بحارة قارب الصيد التقليدي من صنف “الشعرة” أنفاسه الأخيرة إثر تعرضه لوعكة صحية مفاجئة خلال مزاولة عمله بعرض البحر، في حادث أعاد إلى الواجهة المخاطر الصحية والمهنية التي تلازم حياة رجال البحر، خاصة في ظل قساوة الظروف الاجتماعية وضعف الإمكانيات التي تدفع العديد منهم إلى مواصلة العمل رغم معاناتهم الصحية.

وحسب المعطيات المتداولة بعين المكان، فقد سارع طاقم القارب إلى العودة نحو الميناء فور تدهور الحالة الصحية للبحار الراحل، غير أن القدر كان أسرع، حيث كان في انتظار وصول القارب، مختلف السلطات المعنية، من عناصر الدرك الملكي والأمن الوطني والسلطات المحلية وشرطة الميناء والوقاية المدينة وسيارة نقل الأموات، من أجل تأمين ظروف نقل الجثمان واستكمال الإجراءات القانونية المعمول بها. حيث جرى نقل جثة الهالك إلى مستودع الأموات قصد إخضاعها للتشريح الطبي، فيما تم فتح تحقيق تحت إشراف الجهات المختصة لتحديد ظروف وملابسات الوفاة، وفق المساطر القانونية الجاري بها العمل.
وتحول خبر الوفاة إلى صدمة حقيقية داخل الوسط المهني، خاصة بعدما أكد بعض معارف البحار الخمسيني ، أنه كان يعاني في السابق من مشاكل صحية على مستوى القلب، وخضع لعملية جراحية كللت بالنجاح، ما اضطره إلى الابتعاد عن ممارسة الصيد لسنوات قبل أن تدفعه قلة ذات اليد وصعوبة الأوضاع المعيشية إلى العودة مجددا إلى البحر بحثا عن لقمة العيش، متشبثا بالأمل ومتوكلا على الله.
ويعيد هذا الحادث المؤلم النقاش حول ضرورة تعزيز شروط السلامة الصحية داخل قوارب الصيد التقليدي، وعدم الاكتفاء فقط بتوفير معدات النجاة البحرية، بل العمل أيضا على تكوين البحارة وأفراد الطاقم في مبادئ الإسعافات الأولية والتدخل الاستعجالي، خصوصا في الحالات المرتبطة بالأزمات القلبية أو الاختناق أو الحوادث المفاجئة التي قد تقع بعرض البحر، حيث تكون الدقائق الأولى حاسمة في إنقاذ الأرواح قبل الوصول إلى اليابسة أو تدخل المصالح الطبية المختصة.
ويؤكد مهنيون أن توفر طاقم الصيد على الحد الأدنى من التكوين في الإنعاش القلبي الرئوي وكيفية التعامل مع الحالات الطارئة يمكن أن يحدث فارقا كبيرا في تقليص عدد الوفيات وسط البحارة، خاصة أن طبيعة العمل في البحر تفرض العزلة وصعوبة الوصول السريع إلى المستشفيات ومراكز العلاج. كما تبرز الحاجة إلى حملات تحسيسية ودورات تكوينية منتظمة تستهدف مهنيي قطاع الصيد البحري، إلى جانب تشجيع المراقبة الطبية الدورية للبحارة الذين يعانون من أمراض مزمنة أو سبق لهم الخضوع لتدخلات جراحية.
وصدر في وقت سابق بالجريدة الرسمية مرسوم لرئيس الحكومة رقم 2.23.303، يقضي بتحديد شروط القدرة البدنية والمراقبة الطبية للبحارة الصيادين. حيث دعا ذات المرسوم السلطات الحكومية المختصة لتحديد “قائمة الأمراض” التي تمنع ممارسة مهنة بحار بسفن الصيد. ونصت المادة الأولى من المرسوم سالف الذكر على إجبارية إخضاع البحارة الصيادين لفحص طبي للقدرة البدنية بهدف الـتأكد من قدرتهم على الإبحار والعمل عل متن سفن الصيد البحري التي تحمل العلم المغربي، فيما نصت المادة الثانية على تسليم الطبيب للبحار الصياد عقب خضوعه للفحص الطبي، شهادة طبية تثبت قدرته أو عدم قدرته البدنية على ممارسة مهنة الصيد، كما يمكن للطبيب عند الاقتضاء أن يطلب إجراء فحوصات تكميلية. مع التنصيص على ضرورة تدوين نتائج جميع الفحوصات الطبية في الملف الطبي الخاص بالبحار الصياد. ويشار في بطاقة الملاحة للبحار الصياد، فقط، إلى بيان القدرة البدنية.
تسلم الشهادة المشار إليها من قبل طبيب من القطاع العام أو طبيب خبير مسجل في جدول الخبراء القضائيين. حيث يحدد نموذج الشهادة بقرار مشترك للسلطة الحكومية المكلفة بالصيد البحري والسلطة الحكومية المكلفة بالصحة. فيما تشدد الوثيقة على ضرورة إخضاع الصيادين المزاولين لمهنة “بحار صياد”، بشكل سنوي، لفحص طبي يجريه أحد الأطباء المشار إليهم في ذات المرسوم ، على أن يخضع لفحص طبي، كل ستة أشهر، البحارة الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة، وفي “حالة انتهاء مدة صلاحية الشهادة الطبية خلال آخر خرجة بحرية أو خلال ممارسة آخر نشاط صيد في البحر، فإن الشهادة تظل صالحة إلى حين وصول حاملها إلى الميناء”.
وعندما لا يستوفي البحار الصياد الشروط المطلوبة في مجال القدرة البدنية، تنص المادة الخامسة من المرسوم ، على ضرورة تسليم الطبيب الذي يجري الفحص الطبي شهادة تثبت عدم قدرته البدنية على ممارسة مهنة بحار صياد. ويمكن لهذا البحار أن يطلب فحصا طبيا مضادا لدى اللجنة الطبية الإقليمية التابعة لمندوبية وزارة الصحة في الإقليم حيث يوجد الميناء المعني ، وتحت إشراف مندوب الصيد البحري على ان يرفق طلب الفحص الطبي المضاد بنسخة من الشهادة المسلمة للمعني بالأمر . فيما ستكون اللجنة المذكورة ملزمة بدراسة طلب الفحص المضاد داخل أجل عشرة أيام من ايام العمل ابتداء من تاريخ توصلها به. ويمكن للجنة، من أجل دراسة الطلب، أن تطلب إجراء فحوصات طبية تكميلية. ولا يمكن للطبيب الذي سلم شهادة عدم القدرة البدنية أن يكون عضوا في اللجنة. غير أنه، يمكن طلب رأيه.
ويعتبر رأي اللجنة الطبية المضمن في تقريرها بمثابة شهادة طبية ثبت القدرة البدنية أو عدم القدرة البدنية على ممارسة مهنة بحار صياد، حسب الحالة. ويوجه الرأي المذكور، فورا، إلى مندوب الصيد للبحري المعني. كما يمكن للجنة، عندما تصدر رأيا يثبت القدرة البدنية، أن ترفقه بشروط خاصة تحددها على المستوى الطبي والمنهي، وإن اقتضى الحال، لفترات محددة. و عقب التوصل بتقرير اللجنة، يخبر مندوب الصيد البحري، داخل أجل لا يتجاوز خمسة أيام من أيام العمل، المعني بالأمر بالخلاصات الموجهة إليه من قبل اللجنة.
ومن أجل ضمان التتبع الطبي للبحارة الصيادين، تنص مواد المرسوم الرئاسي، على إحداث “وحدات صحية لرجال البحر”، في موانئ الصيد والبنيات المماثلة لها، إذ تخضع هذه الوحدات للسلطة الحكومية المكلفة بالصيد البحري. وتتمثل مهامها في ضمان خدمة الطب الوقائي لفائدة البحارة الصيادين. ولهذه الغاية، يؤكد منطوق النص التشريعي، تتولى الوحدات المذكورة، على الخصوص، إجراء الفحوصات الطبية اللازمة للبحارة الصيادين للتأكد من قدرتهم البدنية على الإبحار ؛ والإسهام في الوقاية من حوادث الشغل والأمراض المهنية وجميع الأخطار التي تهدد صحة البحارة الصيادين ؛ إلى جانب مراقبة شروط النظافة العامة والسلامة الصحية داخل موانئ الصيد والبنيات المذكورة ومرافقها، وكذا على متن سفن الصيد. فيما يمكن للوحدات الصحية أن تقدم خدمات طب العلاجات الذي يشمل تقديم الإسعافات الأولية والعلاجات للبحارة الصيادين في الحالات الإستعجالية.
وإشترط نص المرسوم ، في ان الطبيب المكلف بتسيير »الوحدة الصحية لرجال البحر« طبيبا متخصصا في طب الشغل، وأن يكون قد تابع تكوينا مستمرا في مجال طب رجال البحر. فيما يتوفر طبيب الشغل الذي لم يتابع تكوينا مستمرا في مجال طب رجال البحر، عند تعيينه، على أجل أقصاه ثلاث سنوات ليستوفي هذا الشرط. هذا وألزم ذات المرسوم، الطبيب المكلف بتسيير “الوحدة الصحية لرجال البحر” بإحداث ملفا طبي خاصا بكل بحار صياد يفحصه، إذ يمكن إحداث هذا الملف الطبي في شكل إلكتروني ؛ كما يجب أن يُحدث سجلا يسمى “سجل الفحوصات الطبية”، يتضمن البيانات المتعلقة بالفحوصات التي يجريها مع العمل على تحيينه. ونص المرسوم على “سرية الملفات الطبية للبحارة الصيادين التي يجب التعامل معها طبقا للنصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل في مجال معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي”. فيما يحدد نموذج الملف الطبي ونموذج سجل الفحوصات الطبية بقرار مشترك للسلطة الحكومية المكلفة بالصيد البحري والسلطة الحكومية المكلفة بالصحة.
ودعت مقتضيات المرسوم إلى تحديد قائمة الأمراض التي يترتب عنها عدم القدرة المؤقتة أو الدائمة على ممارسة مهنة بحار على متن سفن الصيد البحري، وكذا الشروط المتعلقة بالسمع والرؤية والقدرة على تمييز الألوان، أخذا بعين االعتبار طبيعة الأعمال المطلوب القيام بها، وظروف العمل على متن سفينة الصيد المعنية، ونوعها ، وذلك بقرار مشترك للسلطة الحكومية المكلفة بكل من الصيد البحري والصحة.
رحم الله الفقيد ، وألهم ذويه الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون .




























