رغم التوقف وسياسة الإغلاق .. مصيدة الأسماك السطحية بالداخلة تواصل إثارة القلاقل

0
Jorgesys Html test

تعيش مصيدة الأسماك السطحية الصغيرة بالداخلة، وعلى رأسها السردين، مرحلة دقيقة تثير الكثير من القلق في الأوساط المهنية، بعدما تحولت واحدة من أهم المصايد الوطنية وأكثرها حيوية، إلى مصدر متزايد للغموض وعدم اليقين. فالمهنيون الذين اعتادوا على اعتبار هذه المصيدة ركيزة أساسية لإستقرار نشاطهم ومورداً استراتيجياً يضمن استمرارية العمل ومداخيل آلاف الأسر، يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع مقلق عنوانه تراجع المصطادات وتزايد الضغوط الإقتصادية، وتنامي التساؤلات حول مستقبل هذا المورد البحري الحيوي.

وتعكس الأرقام الرسمية حجم هذا التحول، إذ سجلت مفرغات المنطقة “س” بالداخلة خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026، انخفاضاً ملحوظاً سواء على مستوى الكميات أو القيمة المالية. فقد تراجعت الأحجام المفرغة بنسبة 21 في المائة، فيما انخفضت القيمة التجارية بنسبة 28 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، وهو ما يؤشر على مرحلة صعبة تمر بها المصيدة، ليس فقط من زاوية الإنتاج، بل أيضاً من حيث مردوديتها الإقتصادية وقدرتها على الإستجابة لانتظارات الفاعلين المهنيين.

ومع استئناف نشاط أسطول الصيد الساحلي بعد عطلة عيد الأضحى، كانت الآمال معلقة على عودة قوية للمصطادات، خاصة بعد فترات التوقف الاضطرارية التي راهن عليها المهنيون لإتاحة الفرصة أمام المخزون السمكي لاستعادة توازنه. غير أن الواقع الميداني جاء مخالفاً لهذه التطلعات، حيث عجزت غالبية المراكب عن العثور على رشم السردين الذي يشكل العمود الفقري لنشاطها الإقتصادي، بينما ظلت بعض المحاولات المحدودة لصيد البوري استثناءً لم يغير من الصورة العامة شيئاً.

هذا الوضع أعاد إلى الواجهة النقاش حول تدبير المصيدة الجنوبية باعتبارها مصيدة استراتيجية ذات أبعاد تتجاوز حدود الإنتاج السمكي، لتلامس قضايا التشغيل والإستثمار والأمن الغذائي والتنمية الجهوية. فالداخلة ليست مجرد نقطة تفريغ أو مجال بحري للصيد، بل فضاء اقتصادي متكامل يرتبط به نشاط عشرات الوحدات الصناعية وسلاسل من الخدمات والمهن المرتبطة بالبحر، ما يجعل أي اضطراب في وفرة المصطادات، ينعكس بشكل مباشر على دورة اقتصادية واسعة تتداخل فيها مصالح المجهزين والبحارة والمصنعين والوسطاء.

وكان عدد من المهنيين يعولون على مراجعة بعض الإجراءات التنظيمية المرتبطة بالمناطق المغلقة، أملاً في إعادة التوازن إلى النشاط المهني، خاصة في ظل النقاش الذي رافق هذا الملف خلال الأسابيع الماضية، والمهام العلمية التي أنجزتها سفينة الأبحاث التابعة للمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري بالمياه الجنوبية. غير أن استمرار الوضع على حاله جعل حالة الانتظار تتواصل، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى معطيات علمية دقيقة وقرارات تدبيرية قادرة على التوفيق بين حماية الثروة السمكية وضمان استدامة النشاط الاقتصادي.

وتزداد صعوبة الوضع مع ارتفاع تكاليف رحلات الصيد وتوالي الاضطرابات الجوية، ما يجعل تنفيذ رحلات استكشافية بحثاً عن تجمعات الأسماك مغامرة محفوفة بالمخاطر المالية. فالمراكب أصبحت مطالبة بقطع مسافات طويلة شرقاً وغرباً دون ضمانات حقيقية لتحقيق مصطادات تغطي على الأقل كلفة الرحلة، الأمر الذي يضع المجهزين والبحارة أمام تحديات متزايدة تهدد جدوى النشاط برمته.

وحتى في الحالات القليلة التي تمكنت فيها بعض المراكب من العودة بكميات محدودة من البوري كما حدث يوم الخميس الماضي، اصطدمت هذه المصطادات بمستويات سعرية اعتبرها المهنيون غير مشجعة، إذ تراوحت الأثمان بين ثلاثة إلى ثلاثة دراهم ونصف للكيلوغرام، وهي أسعار لا تعكس حجم الجهد المبذول، ولا تتناسب مع التكاليف المرتفعة التي يتحملها القطاع. وتزداد حدة هذا الشعور بالمفارقة عندما تتم مقارنة هذه الأسعار بما يحققه المنتوج نفسه في بعض أسواق الصيد التقليدي بالجهة، حيث يسجل مستويات تثمين أعلى بكثير تصل لسبعة دراهم للكيلوغرام، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول آليات التسويقـ وشروط المنافسة والقيمة المضافة داخل سلسلة التوزيع.

وفي خضم هذه التحديات، تتعالى أصوات المهنيين للمطالبة بتعزيز المواكبة العلمية للمصيدة، من خلال توفير معطيات ميدانية وخرائط استرشادية تساعد على تحديد مناطق تمركز الأسماك السطحية الصغيرة، والإستفادة من الإمكانات التقنية المتطورة التي تتوفر عليها سفن البحث العلمي. فالمطلوب اليوم، وفق هذا الطرح، ليس فقط تشخيص واقع المصيدة، بل أيضاً تحويل المعرفة العلمية إلى أداة عملية لدعم القرار المهني، وترشيد مجهود الصيد، وتقليص التكاليف وتحسين مردودية الرحلات.

وحسب الأرقام الواردة في تقرير المكتب الوطني للصيد فقد توفقت مفرغات المنطقة س خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026 ، عند حدود  51318 طن بقيمة 112,4 مليون درهم ،  مقابل 64964 طن بقيمة 155,6 مليون درهم في نفس الفترة من العام الماضي.  ووفق ذات التقرير فقد تم تفريغ 50920 طن من الأسماك السطحية بقيمة 102,7 مليون درهم عند متم ماي الماضي ، مقارنة بنحو 64594 طن بقيمة 145,68 مليون درهم خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2025 .

وبين تراجع المصطادات وإرتفاع التكاليف واستمرار الضبابية، تبقى مصيدة الداخلة أمام مفترق طرق حقيقي يفرض مقاربة متوازنة تجمع بين متطلبات الاستدامة البيولوجية للمخزون السمكي والحاجة إلى الحفاظ على دينامية اقتصادية واجتماعية ترتبط بها مصالح آلاف العاملين. فنجاح هذا التوازن لا يمثل فقط رهاناً مهنياً أو قطاعياً، بل يشكل اختباراً لقدرة السياسات العمومية على تدبير واحدة من أهم المصايد الاستراتيجية بالمملكة وضمان استمرار دورها كرافعة للتنمية والإنتاج والتشغيل.

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا