عُيّن الأستاذ التهامي مشتي مؤخرًا رئيسًا لمصلحة تأطير تنظيمات المنتجين بمديرية التكوين البحري ورجال البحر والإنقاذ بالإدارة المركزية بالرباط، إثر اجتيازه بنجاح مباراة الانتقاء التي نُظمت في الثاني والسابع من أكتوبر 2025، وهي محطة تتويج لمسار مهني طويل، نسج خيوطه بالصبر والمثابرة في مجالات التكوين البحري والعمل الميداني، من الجنوب المغربي إلى شماله، ومن محيطات التجربة الوطنية إلى أفق الانفتاح الدولي.

ليس التهامي مشتي وافدًا طارئًا على قطاع الصيد البحري، بل هو من أولئك الذين تدرّجوا في مدارج التأطير والتكوين، وذاقوا ملحها وعركوا صخورها، فبدأ طريقه من قلب الطانطان، حيث انخرط، بعد حصوله على إجازة في العلوم الاجتماعية من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، في العمل التربوي والتكويني من بوابة معهد التكنولوجيا للصيد البحري. هناك، في المصلحة البيداغوجية، كانت البداية، وكانت البوصلة تشير دومًا نحو الميدان، حيث ساهم في تأطير وتكوين أجيال من البحارة والمتدربين، متنقلاً بين مرافئ الجنوب ونقط التفريغ المجهزة، من طرفاية إلى إكلو، حاملاً معه همّ التنمية المهنية وروح الإرشاد.
منذ البدايات، لم يكن التكوين بالنسبة له مهمة إدارية فقط، بل رسالة إصلاح وتغيير، ولذلك انخرط في برامج محو الأمية، والتكوين المستمر، والتدرج المهني، مقتنعًا أن الصيد البحري لا يزدهر إلا حين يُبنى الإنسان. ولم يكتفِ بدوره داخل المعهد، بل بادر إلى دعم العمل التعاوني، وكان من بين المؤسسين لأول تعاونيات بحرية رجالية ونسوية في الجنوب، تجربة ما تزال محفورة في ذاكرته، لأنها ربطت بين التكوين والتمكين، وبين العمل الجماعي والتنمية المستدامة، في رؤية شمولية تعتبر أن البحر ليس فقط مصدر رزق، بل أيضًا مجال للعدالة الاجتماعية والتمكين الاقتصادي.

وفي سنة 2006، اتجه صوب الشمال، ملتحقًا بمعهد التكنولوجيا للصيد البحري بالعرائش، وهناك، تولى مهام الكاتب العام للمؤسسة، وواصل حضوره النوعي في مسار التكوين البحري، حيث دعم تجربة التأهيل المهني وواكب بروز أولى التعاونيات النسوية في الجهة، مؤمنًا أن مقاربة النوع ليست ترفًا مؤسساتيًا، بل ضرورة لإدماج النساء في قلب الدينامية البحرية. كانت العرائش بالنسبة له مختبرًا جديدًا للتطوير، ومجالاً رحبًا لابتكار آليات تكوينية تستجيب لحاجيات الميدان، فقاد دورات تأطيرية همّت مختلف مناطق المملكة، واضعًا نصب عينيه الرفع من كفاءة العنصر البشري في قطاع يطلب أكثر من أي وقت مضى عقولًا مدرّبة وسواعد واعية.
ولأن العطاء لا تحدّه الجغرافيا، امتدت بصمته إلى الساحة الدولية، من خلال مشاركته في أزيد من 150 دورة تكوينية داخل المغرب وخارجه، في دول مثل اليابان والصين وإيطاليا وفرنسا وليبيا واليمن، حيث راكم خبرة معتبرة في مجالات التنظيم البحري والتدبير التكويني، حصل بموجبها على شواهد دولية، وجعلته محط ثقة منظمات عالمية مثل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، والوكالة اليابانية للتعاون الدولي (JICA)، والاتحاد الأوروبي، التي انخرط معها في مشاريع لتشخيص وتطوير موانئ الصيد ونقط التفريغ، مساهمًا في إرساء دعائم شراكات تنموية عابرة للحدود، تؤمن بأن التجربة الميدانية هي رأس المال الحقيقي لكل مشروع إصلاحي.

اليوم، وهو يُعيَّن على رأس مصلحة مركزية دقيقة، يضع التهامي مشتي خبرته المتراكمة في خدمة تأطير تنظيمات المنتجين، في وقتٍ يتطلب من القطاع ذكاءً مؤسساتيًا وقدرة على التفاعل مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية. فالرجل الذي خبر السواحل وعاش نبض الموانئ، لا يأتي إلى مكتبه إلا محمّلاً بروح الميدان، متسلّحًا برؤية إصلاحية ترى في التنظيم المحكم مفتاحًا لتثمين المنتوج وتحسين أوضاع العاملين، وفي التأطير الجيد مدخلاً للاستدامة.
التهامي مشتي ليس بمجرد إطار إداري صعد في سلّم الوظيفة، بل هو نموذج للرجل الذي تشكّلت هويته المهنية في صلب التحديات، وتشرب ثقافة التكوين بالتجربة لا بالتلقين. هو رجل حمل البحر في قلبه، لا كفضاء جغرافي، بل كمنظومة حياتية تتطلب معرفة دقيقة، وجرأة في القرار، والتزامًا أخلاقيًا عميقًا. ومن موقعه الجديد في الإدارة المركزية، يستعد لإكمال الرحلة بذات الحماس الذي بدأه، واضعًا نصب عينيه نفس القيم التي جعلت منه اسمًا يُحترم في شمال المملكة كما في جنوبها، وفي قاعات الدرس كما في أرصفة الموانئ.




























