يشهد ملف التونة الحمراء بالمغرب وضعاً متناقضاً يثير الكثير من الجدل داخل القطاع، بين إشادة دولية متزايدة بتجربة المملكة في تدبير المصايد، واحتقان مهني متصاعد بسبب طريقة توزيع الحصص وما يرافقها من تساؤلات حول الشفافية وتكافؤ الفرص. فبينما يواصل المغرب تعزيز موقعه داخل الهيئات الدولية المختصة في تدبير الثروات البحرية، تتنامى داخل الموانئ أصوات تعتبر أن الثروة السمكية، وخصوصاً التونة الحمراء، ما تزال تُدار بمنطق يفتقر إلى الوضوح، ويثير شكوكا واسعة بشأن معايير الاستفادة.

ورغم أن حصة المغرب من التونة الحمراء ارتفعت بشكل ملحوظ، منتقلة من 3700 طن إلى أزيد من 4379 طناً خلال الفترة الممتدة ما بين 2026 و2028، فإن هذه الزيادة لم تُترجم، وفق تعبير مهنيين، إلى شعور بالإنصاف داخل القطاع، بل على العكس، فتحت الباب أمام موجة جديدة من الأسئلة داخل الموانئ حول كيفية توزيع هذه الكميات الإضافية، ومن المستفيد الحقيقي منها، وما إذا كانت ستنعكس فعلاً على أوضاع البحارة والمهنيين، أم ستتحول إلى امتياز اقتصادي محدود التداول. لاسيما في ظل غياب معطيات رسمية دقيقة تشرح طبيعة المعايير المعتمدة وهوية المستفيدين، ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول العدالة في توزيع الثروة البحرية، وحول ما إذا كانت هذه الحصص تمنح وفق منطق اقتصادي وتنموي، أم وفق اعتبارات النفوذ والامتياز.
وفي خضم هذا الجدل، تتعالى الدعوات إلى نشر اللوائح الرسمية للمستفيدين، وإخضاع عملية توزيع الحصص إلى دفتر تحملات واضح يربط الاستفادة بمعايير دقيقة، من بينها حجم الاستثمار الحقيقي، وعدد مناصب الشغل التي توفرها الوحدات البحرية، ومدى احترام القوانين المنظمة للقطاع، إضافة إلى المساهمة الفعلية في الاقتصاد البحري الوطني. كما يعتبر عدد من الفاعلين أن استمرار الصمت الرسمي وعدم فتح نقاش مهني واسع حول هذا الملف، يزيد من منسوب التوتر ويعمق أزمة الثقة داخل القطاع.وتزداد حساسية هذا الملف بالنظر إلى القيمة التجارية الكبيرة التي تمثلها التونة الحمراء في الأسواق الدولية، باعتبارها من أكثر الأنواع البحرية طلباً وربحية. لذلك يرى عدد من المهنيين أن تدبير هذا المورد لا ينبغي أن يظل محاطاً بالغموض، خاصة وأن الأمر يتعلق بثروة وطنية تخضع لمراقبة دولية دقيقة، وتستوجب قدراً عالياً من الحكامة والشفافية
وفي المقابل، يواصل المغرب تحقيق مكاسب مهمة على المستوى الدولي في ما يتعلق بتدبير مصايد التونة. فقد حظيت التجربة المغربية بتنويه داخل اللجنة الدولية للحفاظ على أسماك التونة في المحيط الأطلسي “ICCAT”، خاصة بعد الدور الذي لعبته المملكة في المساهمة في إعادة بناء مخزون التونة الحمراء بمنطقة المتوسط والأطلسي الشرقي. كما عزز انتخاب زكية الدريوش على رأس هذه الهيئة الدولية صورة المغرب كفاعل أساسي في قضايا التدبير المستدام للمصايد البحرية.
وخلال الاجتماعات الدولية الأخيرة، شدد الوفد المغربي على ضرورة اعتماد توزيع عادل لإجمالي المصيد المسموح به، وفق الحقوق التاريخية للدول، مع التأكيد على أهمية اعتماد قواعد تدبير شفافة تستند إلى معطيات علمية دقيقة، وتضمن استدامة الموارد البحرية وحماية الأنظمة البيئية الهشة. وهي مواقف عززت صورة المغرب كشريك ملتزم بالمعايير الدولية في مجال الصيد المستدام ومحاربة الصيد غير القانوني وغير المنظم.
وعلى المستوى الوطني، عمدت كاتبة الدولة إلى بعث رسالة قوية من خلال زيارة واحدة متخصصة في معالجة التونة ببرشيد “TUNAMAX” ، حيث التأكيد على أن الحاجة اليوم لإقامة مشاريع على الأرض تنسجم مع طموحات المغرب الصنايعة والحاجة لتثمين المصطادات في سياق تقوية القيمة المضمافة، فيما أعلنت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري عن توزيع 540 طناً من التونة الحمراء المخصصة لأسطولي الصيد التقليدي والساحلي بالواجهة المتوسطية، في إطار تنزيل مخطط تهيئة وتدبير المصيدة. وقد حصلت منطقة طنجة وأصيلة على النصيب الأكبر، تليها الحسيمة ثم الناظور، فيما توزعت الحصص المتبقية على المضيق والجبهة. وأكدت الإدارة الوصية أن هذا التوزيع يظل قابلاً للمراجعة بحسب تطور مؤشرات الاستغلال خلال الموسم، بما يضمن الحفاظ على التوازن بين النشاط الاقتصادي واستدامة المخزون السمكي.
كما تم التأكيد على إلزامية احترام آليات التتبع والتوثيق الإلكتروني الخاصة بالمصطادات، عبر نظام “eBCD”، المعتمد دولياً لتتبع مسار التونة الحمراء وضمان شفافية التسويق والتصدير. وفي السياق ذاته، جرى التنصيص على إحداث لجان محلية داخل الدوائر البحرية تتولى تتبع الحصص الشهرية وضبط مجهود الصيد ومراقبة المؤشرات البيولوجية المرتبطة بالمصيدة، في خطوة تهدف إلى تعزيز الحكامة المحلية في تدبير هذا المورد الاستراتيجي. غير أن هذا التقدم التنظيمي لم يمنع استمرار المطالب بضرورة توسيع الاستفادة جغرافياً، خاصة لفائدة المهنيين بالواجهة الأطلسية الذين يعتبرون أن التونة الحمراء استعادت بشكل واضح حضورها بالمصايد الشمالية، ما يستوجب إعادة النظر في طرق التدبير الحالية، بما يضمن عدالة مجالية أكبر في توزيع فرص الاستفادة.
ويؤكد متابعون أن الرهان اليوم لم يعد مرتبطاً فقط بتوزيع حصص صيد إضافية، بل يتعلق بكيفية بناء نموذج متوازن لتدبير الثروة البحرية، يجمع بين متطلبات الاستدامة الاقتصادية والبيئية، ويحفظ في الآن نفسه حق المهنيين في الولوج العادل إلى الموارد البحرية. فنجاح المغرب في كسب ثقة المؤسسات الدولية لن يكون كافياً ما لم يواكبه شعور داخلي بالإنصاف والشفافية، لأن تدبير الثروات الاستراتيجية لا يقاس فقط بحجم الحصص المحصلة، بل أيضاً بمدى عدالة توزيعها وتحويلها إلى قيمة مضافة تعود بالنفع على مختلف مكونات القطاع.




























