تطورات النقاش السياسي تحيي فكرة تأسيس حزب بحري بالمغرب !

1
Jorgesys Html test

يتجدد النقاش في المغرب حول الخريطة السياسية في سياق يعكس دينامية متواصلة للبحث عن صيغ جديدة لتجديد الفعل الحزبي وإعادة تشكيل مسارات التمثيلية السياسية بما يستجيب للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي تعرفها البلاد. وفي خضم هذا النقاش، تعود إلى الواجهة فكرة مشروع تأسيس حزب بحري، يتخذ من السياسات البحرية مرتكزاً رئيسياً له، في محاولة لتأطير هذا المجال الحيوي ضمن رؤية سياسية واقتصادية واستراتيجية شاملة. هذا الطرح ليس وليد اللحظة، فقد عرف نقاشاً مماثلاً خلال منتصف العقد الماضي بين عدد من الفاعلين في قطاع الصيد البحري، الذين رأوا في البحر أكثر من مجرد مورد اقتصادي، بل فضاءً استراتيجياً له أبعاد تنموية وسيادية عميقة.

ويرى مهتمون أن التفكير في حزب بحري ينبع من وعي متزايد بأهمية المجال البحري في بناء نموذج تنموي مستدام. فالمغرب، بفضل موقعه الجغرافي الفريد وانفتاحه على واجهتين بحريتين، الأطلسي والمتوسطي، يملك إمكانات ضخمة في مجالات الصيد البحري، والطاقات المتجددة البحرية، والنقل البحري، والسياحة الساحلية، والبحث العلمي البحري، وهي كلها عناصر يمكن أن تشكل أساساً لسياسات متكاملة قادرة على خلق الثروة وتوفير فرص الشغل وتعزيز مكانة المغرب كقوة بحرية إقليمية. لذلك، فإن تأسيس حزب سياسي ينطلق من هذا الوعي يمكن أن يسهم في بلورة رؤية وطنية للبحر بوصفه رافعة للتنمية ومجالاً استراتيجياً للأمن الاقتصادي والبيئي والغذائي.

ومن شأن مشروع القانون التنظيمي للأحزاب السياسية في صيغته الجديدة، الذي نص في مادته السادسة على مجموعة من الشروط التنظيمية لتأسيس أي حزب، أن يفتح الباب أمام فاعلين جدد قادرين على استثمار هذه اللحظة السياسية، لتقديم عروض حزبية مبتكرة. فاشتراط تمثيلية نسائية وشبابية معتبرة، وتوزيع الأعضاء على مختلف جهات المملكة، يرسخ منطق الشمولية والعدالة المجالية، ما قد يمنح الإجتهادات الجديد في تأسيس الأحزاب ، بعداً وطنياً يتجاوز الطابع الفئوي أو القطاعي الضيق.

وفي سياق التحولات الكبرى التي يشهدها العالم على مستوى الاقتصاد الأزرق، يجد المغرب نفسه أمام فرصة تاريخية لتثبيت حضوره في هذا المجال الواعد. فالدولة المغربية تبنت خلال السنوات الأخيرة مجموعة من الاستراتيجيات البحرية، أبرزها “أليوتيس” لتطوير قطاع الصيد البحري، ثم التوجه نحو الطاقات البحرية المتجددة، ومشروع الموانئ الكبرى كميناء الداخلة الأطلسي والناظور غرب المتويط وقبلهم ميناء طنجة المتوسط ، ما يعكس إرادة سياسية واضحة في جعل البحر أحد محركات النمو المستقبلي. لكن هذه الدينامية تبقى في حاجة إلى تأطير سياسي مؤسساتي يعبر عن مصالح الفاعلين البحريين، ويدافع عن رؤية متكاملة تراعي التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة البحرية، وتدفع نحو حكامة أفضل للثروات المائية.

من هذا المنطلق وفق المهتمين، فإن حزباً بحرياً يمكن أن يشكل قيمة مضافة للمشهد السياسي المغربي، إذا استطاع أن يبلور خطاباً جديداً يقوم على المعرفة البحرية، والابتكار في السياسات العمومية، والتكامل بين المحلي والوطني، مستلهماً في ذلك روح الاستدامة والمسؤولية البيئية والاجتماعية. كما يمكن أن يسهم في توسيع دائرة المشاركة السياسية لشرائح اجتماعية طالما كانت مرتبطة بالبحر ومهنه، لكنها بقيت على هامش الفعل الحزبي والمؤسساتي.

إن الأفق البحري للمغرب لا يقتصر على الاقتصاد فقط، بل يمتد ليشمل الهوية والثقافة والانفتاح الجيوسياسي، مما يجعل الرهان على “الوعي البحري” ضرورة استراتيجية. وفي هذا السياق، قد يكون ظهور حزب بحري مؤشراً على نضج سياسي جديد، يربط بين الأرض والبحر في رؤية واحدة للتنمية والسيادة والعدالة المجالية، ويعكس إرادة جيل جديد من الفاعلين الذين يؤمنون بأن مستقبل المغرب، في جزء كبير منه، يُصنع من عمق بحره.

Jorgesys Html test

تعليق 1

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا