شكلت الورشة العلمية التي احتضنتها غرفة الصيد البحري المتوسطية يوم 13 فبراير 2026 محطةً جديدة لتعميق النقاش حول واقع وآفاق قطاع الصيد البحري بالواجهة المتوسطية المغربية، في سياق يتسم بتحديات بيئية ومناخية متزايدة، وبحاجة ملحة إلى بلورة حلول عملية تضمن استدامة الموارد البحرية وتحسن أوضاع المهنيين.

وجمع هذا للقاء، المنظم من طرف الغرفة المتوسطية بشراكة مع جمعية أزير لحماية البيئة، ممثلين عن الغرفة وأطرها، وممثل المكتب الوطني للصيد البحري بميناء طنجة، وأطر المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، إلى جانب فاعلين مهنيين وجمعويين، في تجسيد لمقاربة تشاركية تسعى إلى توحيد الرؤى وتكامل الجهود.
في كلمته الافتتاحية التي تلاها مدير الغرفة نيابة عن الرئيس قبل التحاقه بأشغال الورشة، تم التأكيد على أن القطاع يمثل ركيزة أساسية للأمن الغذائي وعنصراً من هوية المناطق الساحلية، فضلاً عن دوره في خلق فرص الشغل ودعم التنمية الإقتصادية والإجتماعية. وأبرزت الكلمة التزام الغرفة بترسيخ مبادئ الإقتصاد الأزرق القائم على الإستغلال المعقلن للموارد البحرية وضمان إستدامتها للأجيال القادمة، مع التشديد على أن الهدف من اللقاء لا يقتصر على عرض نتائج دراسة ميدانية، بل يتعداه إلى مناقشتها والخروج بتوصيات قابلة للتنفيذ.
من جهته، استعرض مكونات جمعية أزير لحماية البيئة ، في عرض مفصل وضعية عدد من المخزونات السمكية خلال الفترة 2017-2023، مدعماً بمعطيات إحصائية وسوسيو-اقتصادية حصيلة دراسة قامت بها الجمعية . وأبرز العرض تراجع بعض الأصناف وتهديد بعضها الآخر، مستنداً إلى أرقام تتعلق بحجم المفرغات بعدد من الموانئ ومراكز الصيد، ومسلطاً الضوء على انعكاسات التحولات البيئية على استدامة الثروات البحرية.

واقترحت الدراسة حزمة تدابير عملية، في مقدمتها تعزيز آليات المراقبة البحرية وتنسيقها بين مختلف المتدخلين، وإعادة إعمار البحر الأبيض المتوسط بالأسماك لإستعادة التوازن البيولوجي، وتفعيل المحميات البحرية القائمة وإحداث أخرى وفق معايير علمية دقيقة. كما دعت إلى تكثيف حملات التحسيس للحد من التلوث البحري، وتنويع مصادر دخل مهنيي الصيد التقليدي عبر تطوير أنشطة بديلة كالسياحة البحرية وتربية الأحياء البحرية، وتثمين المنتجات ذات القيمة المضافة، إضافة إلى تعزيز تبادل المعطيات العلمية بين المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري والمكتب الوطني للصيد وباقي الفاعلين، ووضع الصيادين واستدامة الموارد في صلب السياسات العمومية.
وفي قراءة نقدية وتكميلية، أوضح مدير المركز الجهوي للمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري بالناظور أن الدراسة قدمت تحليلاً إحصائياً مهماً، غير أنه سجل ملاحظة منهجية تتعلق بتركيزها على فئة الصيد التقليدي، مقابل اعتماد المعهد مقاربة شمولية تشمل مختلف الفئات المهنية لضمان تقاطع المعطيات. وأكد أن اختزال أسباب تناقص الموارد في الممارسات البشرية أو القوانين التنظيمية يظل طرحاً غير كافٍ، مبرزاً تأثير عوامل طبيعية وبيئية، من بينها إنتشار بعض الأصناف الغازية كالسلطعون الأزرق، والتكاثر المفرط لقناديل البحر التي تلتهم يرقات وبيض الأسماك، إضافة إلى تداعيات الجفاف الحاد بين 2017 و2023 وتراجع تدفق المياه العذبة نحو البحر.

كما تطرق إلى إشكالية التلوث الناتج عن الفيضانات التي باتت تحمل نفايات المطارح العمومية إلى الساحل، مستشهداً بحالة منطقة “قاع سراس” وما تسببه من أضرار لصغار الأسماك. وأكد أن تطوير القطاع مسؤولية جماعية تتجاوز قطاع الصيد، وتتطلب انخراط قطاعات أخرى وأجهزة المراقبة، مع تعزيز مبادرات الصيد الرصدي ومرصد الصيد التقليدي وتوسيع مشاركة المهنيين في جمع المعطيات البيولوجية.
وخلصت الورشة إلى أن وضعية قطاع الصيد البحري بالواجهة المتوسطية المغربية تتسم بتعقيد وتداخل أبعاد مناخية وبيئية وإقتصادية وحكاماتية، ما يفرض إعتماد مقاربة تشاركية قوامها البحث العلمي والتنسيق المؤسساتي والغنخراط المهني. واختُتم اللقاء بتوقيع اتفاقية شراكة بين رئيس غرفة الصيد البحري المتوسطية ورئيس جمعية أزير لحماية البيئة، في أفق تعزيز التعاون لخدمة استدامة الثروة السمكية وحماية البيئة البحرية بالمنطقة.




























