أدخلت التوترات في الشرق الأوسط بسبب الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل أحد أخطر شرايين الاقتصاد العالمي في قلب العاصفة، بعدما أعلنت طهران إغلاق مضيق هرمز، الممر الذي يعبر منه نحو خُمس إستهلاك العالم من النفط. فخلال أيام قليلة، تحولت التوترات العسكرية إلى أزمة طاقة وتجـارة مفتوحة على كل الإحتمالات، مع تعليق عشرات الناقلات رحلاتها وتعرّض إحداها لهجوم دامٍ قرب المضيق، ما رفع منسوب القلق في الأسواق وأعاد شبح “صدمة الطاقة” إلى الواجهة.

يمر عبر مضيق هرمز، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، نحو 20 إلى 21 مليون برميل نفط يومياً، أي قرابة 20% من الإستهلاك العالمي، إضافة إلى ما يقارب خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال. وفي عام 2023، شكّلت التدفقات عبره أكثر من ربع النفط المنقول بحراً في العالم، ذهب 83% منها إلى الأسواق الآسيوية. هذه الأرقام تفسر لماذا يوصف المضيق بأنه صمام أمان الطاقة العالمي، ولماذا يمثل أي اضطراب فيه تهديداً فورياً للأسعار وسلاسل الإمداد.
وقد جاءت الإستجابة سريعة من كبريات شركات الشحن. فقد أعلنت كل من Maersk وCMA CGM وHapag-Lloyd، التي تمثل مجتمعة نحو ثلث أسطول الحاويات العالمي، وقف عبور سفنها عبر المضيق وتحويل مساراتها إلى طريق رأس الرجاء الصالح. قرار كهذا لا يمكن نفسيره بمجرد حذر أمني، بل إدراكاً بأن كلفة المخاطرة أصبحت أعلى من كلفة الإلتفاف حول إفريقيا، رغم ما يعنيه ذلك من إضافة نحو 15 يوماً للإبحار ومضاعفة إستهلاك الوقود.
وتبقى البدائل المتاحة محدودة. فالسعودية والإمارات وحدهما تملكان خطوط أنابيب قادرة على تجاوز المضيق جزئياً. إذ تدير أرامكو السعودية خط الشرق–الغرب بسعة خمسة ملايين برميل يومياً، فيما تنقل الإمارات نفطها إلى الفجيرة عبر خط بسعة 1.5 مليون برميل. لكن الطاقة الفائضة القابلة للإستخدام لا تتجاوز، بحسب التقديرات، 2.6 مليون برميل يومياً، أي جزءاً بسيطاً من إجمالي التدفقات. فعملياً، لا يوجد مسار قادر على تعويض الإغلاق الكامل.
ولا تقف تداعيات الأزمة عند النفط الخام. فإرتفاع أقساط “تأمين مخاطر الحرب” إلى مستويات قياسية، أضاف مئات آلاف الدولارات إلى كلفة الشحنة الواحدة، ما ينعكس فوراً على أسعار السلع والطاقة. وقد بدأت الأسواق تتفاعل بالفعل مع اقتراب خام برنت من عتبة 80 دولاراً، وسط توقعات بأن يتجاوز 100 دولار إذا طال أمد الأزمة. هنا لا يتعلق الأمر باضطراب لوجستي فحسب، بل بضغط تضخمي عالمي يهدد بإبطاء النمو، خاصة إذا تزامن ذلك مع اضطرابات في مضيق باب المندب.
كما تتأثر ممرات أخرى. فقناة السويس، التي يمر عبرها ما بين 12 و15% من التجارة العالمية ونحو 30% من تجارة الحاويات، تكبدت بالفعل خسائر مليارية خلال العام المالي 2023/2024 نتيجة تحوّل السفن بعيداً عن البحر الأحمر. أي تصعيد إضافي سيضاعف الضغوط على هذا المسار الحيوي ويزيد كلفة التجارة بين آسيا وأوروبا.
ويقدم التاريخ إنذاراً مبكراً. ففي ثمانينيات القرن الماضي، استُهدفت مئات السفن خلال ما عُرف بحرب الناقلات، ولم تُستعد حرية الملاحة إلا بتدخل دولي مباشر. وفي 2019، أدت هجمات واحتجاز ناقلات إلى قفزات سريعة في أسعار النفط وتكاليف التأمين. ويبقى الفارق اليوم أن الإقتصاد العالمي أكثر ترابطاً وهشاشة بعد جائحة كورونا وأزمات سلاسل التوريد.
ويضع المشهد الراهن العالم أمام اختبار صعب: هل يستطيع امتصاص صدمة تعطل أحد أهم الممرات الحيوية دون انزلاق إلى موجة تضخم وركود جديدة؟ فالجغرافيا لا تتغير، لكن السياسة قادرة على إعادة رسم خرائط المخاطر. وكلما طال أمد المواجهة، تحوّل عامل الوقت نفسه إلى سلاح إقتصادي يضغط على الجميع بلا إستثناء.
البحرنيوز: bbc بتصرف




























