القانون يسرّع تعويض ضحايا الطرق .. فمتى ينصف أسر مفقودي البحر؟

2
Jorgesys Html test

صدر، مع متم يناير المنصرم، بالجريدة الرسمية عدد 7478، القانون الجديد المتعلق بحوادث السير، ولا سيما في شقه الخاص بتعويض المصابين في الحوادث التي تتسبب فيها المركبات البرية ذات المحرك، في خطوة تشريعية تعكس وعيا متجددا بحدود النص السابق، وعجزه عن مواكبة التحولات المتسارعة في طبيعة المخاطر وتعقّد النزاعات القضائية المرتبطة بحوادث السير. وقد كرس هذا القانون تحولا واضحا في زاوية المعالجة، واضعا الضحية في قلب الإهتمام التشريعي بعد سنوات من المساطر المرهقة والآجال المفتوحة على الإنتظار.

وجاء النص الجديد ليواجه بشكل مباشر إحدى أعقد الإشكالات التي راكمتها المنظومة السابقة، والمتمثلة في التأخر المزمن في صرف التعويضات، إذ نص على تبسيط الإجراءات وتوحيد المساطر وتقليص الآجال القانونية للبت في الملفات، بما يحد من النزاعات الشكلية التي كانت تستنزف وقت الضحايا وحقوقهم وتحوّل مسار الإنصاف إلى رحلة طويلة في دهاليز القضاء والإدارة. كما عزز المشرع دور شركات التأمين من خلال توسيع نطاق التأمين الإجباري ليشمل حالات لم تكن مغطاة بشكل صريح من قبل، مع إقرار آليات رقابية أكثر صرامة لضمان أداء التعويضات في آجالها، في مسعى واضح لإستعادة الثقة في منظومة التأمين الوطنية.

غير أن هذا النفس الإصلاحي، الذي بدا جليا في مجال الحوادث البرية، يسلّط في المقابل الضوء على مفارقة لافتة في قطاعات أخرى، وعلى رأسها قطاع الصيد البحري، حيث لا تزال مسطرة تمويت البحارة المفقودين في الحوادث البحرية أسيرة منطق الانتظار الطويل. ففي الوقت الذي يتحرك فيه التشريع بسرعة نسبية لإنصاف ضحايا حوادث السير، تجد أسر البحارة المفقودين نفسها مجبرة على انتظار عام ويوم كاملين للحكم بموت المفقود، رغم خصوصية الحوادث البحرية وغناها بالقرائن التي تؤكد، في الغالب، أن الفقدان انتهى إلى وفاة محققة.

فالوقائع الميدانية، ومحاضر التدخل والإنقاذ، وحتى العرف المجتمعي، تتقاطع كلها عند دلالة واحدة، الفقدان في البحر، في سياق غرق المراكب والسفن، يعني الموت. وهو ما تعكسه طقوس العزاء التي تبادر بها الأسر والجيران، ودعوات الرحمة التي تُرفع للفقيد، بل وحتى دخول الزوجات في العدة الشرعية وارتداء اللباس الأبيض في بعض المناطق الساحلية، وكأن كل مراسيم الوداع قد إكتملت، بإستثناء الجنازة والدفن.

ويزيد من حدة هذا الوضع أن المادة 327 من مدونة الأسرة، المحددة لأجل الحكم بموت المفقود في سنة على الأقل، تحرم الأسر من الإستفادة من حقوقها المالية والإجتماعية في وقت معقول، وتضاعف من معاناتها النفسية والإجتماعية، في لحظة تكون فيها في أمسّ الحاجة إلى الدعم لا إلى الإنتظار. ورغم أن ظهور جثث الضحايا يخفف في بعض الحالات من وطأة هذه المعاناة، إلا أن غيابها يفتح بابا طويلا من التعليق واللايقين، تتحول فيه المساطر القانونية إلى عبء إضافي على أسر أنهكها الفقد.

وفي هذا السياق، تشير معطيات متداولة إلى أن المشرع المغربي يدرس بجدية إمكانية تعديل هذه المادة بالنسبة لمفقودي الحوادث في قطاع الصيد البحري، عبر تقليص أجل التمويت إلى نحو ستة أشهر، في خطوة قد تشكل بداية لمصالحة التشريع مع خصوصيات البحر ومخاطره. فالأسر المكلومة تعيش خلال الأشهر الأولى من الفقدان أقسى فترات حياتها، بين عذاب نفسي مستمر وقلق اجتماعي متصاعد، تغذيه المساطر الإدارية المعقدة وصعوبة الولوج إلى حقوق التأمين، لتصبح المفارقة صارخة، تشريع يسرّع التعويض حيث الجسد حاضر، ويطيل الانتظار حيث يغيب الجسد، رغم أن اليقين في الحالتين لا يختلف كثيرا.

Jorgesys Html test

2 تعليق

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا