بقلم :عبد الخالق جيخ*
حين كان المغفور له الملك الحسن الثاني يصف النينيا بـ«الظاهرة المباركة»، لم يكن ذلك من باب المجاز العابر، بل تعبيرًا عن وعي مبكر بعلاقة المغرب العميقة بالمناخ وتقلباته، وبمدى ارتباط الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي بما تجود به السماء والبحر معًا. ففي بلد تتقاطع فيه الفلاحة والصيد البحري كرافعتين أساسيتين للإنتاج والتشغيل، يصبح لكل تغير مناخي، ولو كان بعيد المنشأ، أثرٌ يُحسب له حساب.

النينيا، باعتبارها المرحلة الباردة من تذبذب النينيو الجنوبي، ليست حدثًا طارئًا في سجل الطبيعة، بل حلقة ضمن دورة مناخية كبرى تعيد توزيع الحرارة والطاقة بين المحيطات والغلاف الجوي. تتجلى في انخفاض حرارة سطح المياه بالمحيط الهادئ الإستوائي، وتقوية الرياح التجارية، وتعزيز ظاهرة الرفع البحري التي تغذي العوالق وتنعش السلاسل الغذائية البحرية. ورغم أن المغرب بعيد جغرافيًا عن مركز هذه الظاهرة في المحيط الهادئ، فإن عالم اليوم المناخي مترابط على نحو يجعل التأثير غير المباشر حقيقة علمية لا جدال فيها.
فالتغيرات التي تحدث في الهادئ تنعكس عبر تعديلات في الدورة الجوية العالمية، وقد تؤثر في تموضع المرتفعات والمنخفضات، ومسارات العواصف في الأطلسي. وعندما تتزامن النينيا مع طور سلبي لتذبذب شمال الأطلسي، تزداد فرص مرور المنخفضات نحو جنوب المغرب، بما قد يرفع احتمالات التساقطات ويحسن مؤقتًا المخزون المائي في السدود والفرشات المائية. غير أن هذا الأثر يظل رهين تداخل عوامل عدة، ولا يمكن اعتباره ضمانة لموسم مطري بعينه، لأن المحدد الأساسي لمناخ المغرب يظل أطلسيًا في جوهره.
أما في البحر، حيث تتجسد حيوية الإقتصاد الساحلي، فإن أي تغير في قوة الرياح أو في دينامية الرفع البحري قد ينعكس على وفرة الأسماك السطحية، وفي مقدمتها السردين الذي يشكل ركيزة أساسية للصيد الساحلي والصناعي على حد سواء. فإذا توافقت ظروف النينيا مع رياح أطلسية ملائمة واستقرار نسبي في درجات حرارة المياه، يمكن أن تتحسن إنتاجية السواحل، ولو بشكل مؤقت. وهنا يكمن جوهر النقاش: هل تسمح هذه الظرفية الإستثنائية بإعادة النظر في بعض القرارات التنظيمية، أم أن منطق الإستدامة يفرض الحذر مهما بدت المؤشرات إيجابية؟
القول بأن النينيا قد تخلق ظرفًا مواتيًا للصيد السطحي لا يعني أنها تلغي تحديات تغير المناخ طويل الأمد، ولا أنها تعكس الإتجاه العام لإرتفاع حرارة مياه الأطلسي أو تحرك بعض المخزونات السمكية شمالًا أو نحو الأعماق. كما لا تعني أن الوفرة الظرفية، إن تحققت، تبرر التوسع غير المحسوب في الإستغلال أو التراجع عن ضوابط وُضعت لحماية المورد وضمان استمراريته للأجيال المقبلة.
في هذا السياق يبرز الجدل المرتبط بتدبير صادرات السردين المجمد، وتنظيم ولوج الأسماك السطحية الطازجة إلى وحدات التصبير واستخراج زيت السمك، خاصة في فترات يرتفع فيها الطلب الداخلي وتتقدم اعتبارات المائدة الشعبية والأمن الغذائي. من المشروع أن يُطرح السؤال حول مدى مرونة القرارات الإدارية في مواجهة ظرف مناخي قد ينعش العرض، لكن من الضروري كذلك أن يظل أي تعديل محتمل مؤطرًا برؤية علمية دقيقة، تستند إلى معطيات آنية حول حالة المخزون، لا إلى انطباعات ظرفية أو رهانات قصيرة الأمد.

إن التوازن المطلوب ليس بين وفرة وندرة فحسب، بل بين حق المستهلك في ولوج عادل إلى منتوج بحري أساسي، وحق المهنيين في إستقرار تشريعي واستثماري، وواجب الدولة في حماية الثروة السمكية باعتبارها ملكًا جماعيًا. والنينيا، مهما وُصفت بالمباركة، تظل عاملًا ضمن شبكة معقدة من المحددات البيئية والإقتصادية والإجتماعية، لا يمكن عزلها عن بقية السياق.
من هنا، فإن التعامل الرشيد مع أي أثر محتمل للنينيا يقتضي تعزيز أنظمة الرصد البحري، وتكثيف الدراسات العلمية حول دينامية المخزونات، وتبني مقاربة مجالية تراعي خصوصيات السواحل والمجتمعات المرتبطة بها، من طنجة إلى الداخلة. كما يقتضي حوارًا مسؤولًا بين الإدارة والمهنيين والباحثين، قوامه الشفافية وتقاسم المعطيات، بعيدًا عن منطق رد الفعل أو توظيف الظرف المناخي لتبرير مواقف مسبقة.
النينيا قد تكون فعلًا ظاهرة مباركة حين تُقرأ بعين العلم ويُحسن استثمار فرصها دون الإخلال بقواعد الحكامة. أما البركة الحقيقية فتكمن في ترسيخ ثقافة تدبير مستدام، تجعل من كل ظرف مناخي، إيجابيًا كان أو سلبيًا، حافزًا لتعزيز مناعة القطاع البحري وضمان استدامته، خدمة للاقتصاد الوطني وصونًا لثروة البحر التي لا تعوض.
*عبد الخالق جيخ: فاعل كنفدرالي سابق مدون مهتم بشؤون الصيد البحري



























