دخلت، ابتداءً من السبت 02 ماي 2026، المقتضيات الجديدة المنظمة للأداء بواسطة الشيك بأسواق السمك بالجملة ومراكز الفرز الصناعي حيّز التنفيذ، في خطوة وُصفت داخل القطاع بالتحول الحاسم نحو تقنين المعاملات وتعزيز ضماناتها وسط سياق عام يتسم بالترحيب والتحفظ . حيث أظهرت صور ومقاطع متداولة أن وتيرة النشاط داخل عدد من الأسواق ظلت عادية، مع استمرار عمليات البيع والشراء بشكل شبه منتظم، فيما إختلفت الروايات بخصوص طبيعة المعاملات بين المقتضيات الجديدة والآليات التقليدية .

وفي قراءة أولى لهذا التحول، رحب عبد اللطيف السعدوني، رئيس الكنفدرالية الوطنية لتجار السمك بالجملة بالموانئ والأسواق المغربية، بالإجراء الجديد ، مبرزا أنه على الرغم مما يثيره هذا الإجراء من توجس، فهو يندرج ضمن مسار تصحيحي طال انتظاره. ويوضح أن اعتماد الشيك المصادق عليه لم يأتِ من فراغ، بل فرضته اختلالات تراكمت بفعل ممارسات غير منضبطة داخل جزء محدود من الفاعلين، ما وضع المؤسسة الوصية تحت مجهر المساءلة. ويعتبر أن اللقاءات التي جمعت المهنيين بالإدارة كشفت خلفيات القرار، وربطته بضرورة تأمين المعاملات في قطاع تتداخل فيه مصالح متعددة، مؤكداً أن التجارة لا يمكن أن تستمر بمنطق الضمانات الهشة أو التسبيقات غير المؤطرة.
ويقر السعدوني في تصريح للبحرنيوز، بأن السوق شهدت في فترات سابقة نوعاً من الاختلال في توازن العرض والطلب، ما فتح الباب أمام سلوكيات قائمة على المجاملة أو التسهيلات غير المضمونة، غير أن الظرفية الحالية، التي تتميز بارتفاع الطلب مقابل محدودية المنتوج، تفرض، بحسبه، قواعد أكثر صرامة تضمن تكافؤ الفرص بين التجار. ومن هذا المنطلق، يدعو إلى التعاطي مع الإجراء كأرضية لإعادة ترتيب البيت الداخلي، معتبراً أن القانون يسري على الجميع دون تمييز، وأن قوة المنظومة تكمن في توحيد قواعدها، لا في استثناء فئات منها.

ويرى عبد اللطيف السعدوني أن التحولات التي يعرفها قطاع تجارة السمك حالياً تضع المهنيين أمام مرحلة دقيقة أشبه بـ“نفق شبه مظلم”، لكنها في العمق تعكس ضرورة إعادة تنظيم السوق. وأكد أن احتجاج بعض التجار مفهوم، غير أن القرار لم يأتِ بشكل مفاجئ، وأشار السعدوني إلى أن المرحلة الحالية تتطلب انخراطاً مسؤولاً من التجار، عبر رفع مستوى الضمانات والتكيف مع القواعد الجديدة. فيما شدد السعدوني على ضرورة مواكبة هذا الإصلاح بآليات عملية، خصوصاً على مستوى التمويل والتنسيق مع الأبناك، موضحاً أن الشيك وحده لا يكفي دون توفر السيولة. وختم بالتأكيد أن الإجراء يظل خطوة تصحيحية إيجابية، شريطة تعزيزها بإصلاحات موازية وحوار مستمر مع المهنيين.
في المقابل، لا يخفي بوشعيب شاد، رئيس الكنفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة، تحفّظه على طريقة تنزيل هذه المقتضيات، رغم تأكيده أن المهنيين ليسوا في موقع رفض مبدئي للإصلاح. ويشدد على أن الإشكال لا يرتبط بجوهر الإجراء بقدر ما يتعلق بسياق تفعيله، معتبراً أن التنزيل في غياب محاضر دقيقة تؤطر ما تم الاتفاق عليه خلال فترة المشاورات يطرح تساؤلات حول وضوح الرؤية. ويضيف أن المهلة التي مُنحت سابقاً كان يُفترض أن تُستثمر لتعميق النقاش والوصول إلى صيغة توافقية، لا أن تتحول إلى مرحلة انتقالية نحو تطبيق فعلي لم يحظَ بالإجماع.
ويستدل شادي في تصريح للبحرنيوز ، ببعض المؤشرات الميدانية التي رافقت اليوم الأول من التطبيق، حيث سُجل، حسب روايته، ارتباكا في بعض الموانئ، تراوح بين الامتناع المؤقت عن الشراء والعودة إلى الطرق التقليدية في أداء المعاملات، كما حدث في بعض الموانئ بالجنوب كما بالشرق والوسط . ويرى أن هذا التذبذب انعكس على تثمين المنتوج، مشيراً إلى حالات بيع بأسعار أقل من المعتاد في غياب بعض المتدخلين في عملية الدلالة، وهو ما اعتبره مساساً بمصالح البحارة والمجهزين، ويطرح، في نظره، ضرورة اعتماد مقاربة تدريجية تراعي توازنات السوق وتجنب إحداث صدمات مفاجئة.

وقال شادي أن الكنفدرالية وإلى حدود الساعة تتشبت بالشيك كوسيلة للأداء، وفي حالة أرتكبت مخالفة معينة في فهناك نص قانوني زاجر لهذه العملية .وهنا يتساءل المصدر الكنفدرالي ، هل هناك نص قانوني يمنع بشكل صريح الشيك كوسيلة للأداء طيلة هذه السنوات، بغض النظر عن ملاحظات المجلس الأعلى للحسابات؟ وهل هذه الملاحظات ملزمة أو غير ملزمة؟ إذ وبالرجوع إلى قانون العقود والإلتزامات وكذا مدونة التجارة يقول شادي، ليس هناك ما يمنع هذا النوع من المعاملات . وما يسري على المؤسسات العمومية يسري على التجار يضيف شادي في تصريحه للبحرنيوز. وبالتالي فالشيك يبقى جزء من هذه العملية التداولية لسببين إثنين وفق تعبير المصدر ، أولهما تثمين المنتوج وثانيهما عدم محاصرة التجار في الزاوية الضيقة، التي قد تتحول لخدمة جهة معينة دون ان تعي المؤسسة.
وبين هذين الموقفين، يقدّم مصدر إداري بالمكتب الوطني للصيد قراءة مؤسساتية تؤكد أن الأجواء العامة داخل الأسواق تظل عادية، وأن المعاملات تتم وفق المقتضيات التي أُعلن عنها المكتب منذ مارس الماضي حيث أن لاشراء دون إحترام المقتضيات المعلنة واشار أن مجموعة من السواق تم الشراء فيها بشيكات غير مصادق عليها شريطة أن تكون هناك ضمانات مالية في للتاجر في حساب المكتب الوطني للصيد . وأبرز أن هذه الإصلاحات الجديدة تأتي استجابة لتوصيات المجلس الأعلى للحسابات، التي تهدف إلى تعزيز الشفافية وضمان حسن تدبير المال العام، مشيراً إلى أن النظام السابق أبان عن محدودية في تأمين المعاملات، في ظل غياب ضمانات بنكية مباشرة، وهو ما أدى إلى تراكم معاملات غير مسوّاة بمبالغ وُصفت بالمقلقة .
وأوضح المصدر الإداري في تصريحه للبحرنيوز أن التجار أصبحوا ملزمين، قبل ولوج عمليات الشراء، إما بتوفير التحصيل المسبق لقيمة الشيك داخل حساب المؤسسة، أو الإدلاء بشيك مصادق عليه من طرف البنك، باعتبار ذلك ضمانة عملية لتفادي أي تعثر في الأداء. ويؤكد أن هذا الشرط لم يعد اختيارياً، بل أساسياً لضمان انسيابية المعاملات وحماية حقوق مختلف الأطراف، في قطاع تتقاطع فيه مصالح مؤسسات عمومية ومهنيين، من بحارة ومجهزين وتجار، إضافة إلى هيئات أخرى تستفيد من عائدات هذه العمليات.

وأضاف المصدر، أن المؤسسة لا تغلق الباب أمام بدائل أخرى، مثل التحويلات البنكية أو الكفالات أو الأداء النقدي، في محاولة لتوفير مرونة في وسائل الأداء، دون المساس بجوهر الإصلاح القائم على تأمين المعاملات. ويعكس هذا التوجه، وفق المصدر ذاته، إرادة في مواكبة التحولات التي يعرفها القطاع، والانتقال به نحو نماذج أكثر تنظيماً، تواكب متطلبات الحكامة الجيدة وتحد من المخاطر المرتبطة بالتعاملات غير المضمونة.
وبناء على ما سبق يتقاطع في هذا الورش منطقان؛ منطق يسعى إلى فرض الانضباط المالي كمدخل لإصلاح شامل، ومنطق آخر يدعو إلى التدرج وتوسيع دائرة التوافق قبل الحسم في تنزيل الإجراءات. وبينهما، تستمر الأسواق في الاشتغال، وتختبر يومياً قدرة الفاعلين على التكيف مع قواعد جديدة، ستحدد، في المدى القريب، ملامح توازن دقيق بين حماية المال العام وضمان حيوية النشاط التجاري، في قطاع لا يحتمل الكثير من الارتباك، ولا يقبل في الآن ذاته الاستمرار بمنطق القديم.



























من سيحمي رأس مال تاجر السمك في أسواق الجملة البيع الثاني؟