شرع الفاعلون في قطاع الصناعة البحرية بالمغرب في بلورة تصور استراتيجي جديد يروم تحويل المملكة إلى قطب إقليمي مرجعي في بناء السفن وإصلاحها وصيانتها والخدمات المرتبطة بها بحلول سنة 2030، مستندين إلى ما يتيحه الموقع الجغرافي للمغرب والبنيات التحتية المينائية الكبرى التي أنجزها خلال العقدين الأخيرين.

هذا التوجه شكل محور لقاء موسع ضمن برنامج “ثلاثاء الشعب الصناعية”، بمبادرة مشتركة من الفيدرالية المغربية للصناعات المعدنية والميكانيكية والكهروميكانيكية، والجمعية المغربية لبناء وإصلاح السفن، و كتلة الصناعة البحرية بالمغرب، حيث اجتمع أكثر من خمسين فاعلاً يمثلون الإدارات العمومية والقطاع الخاص والمؤسسات المهنية وصناع القرار، في ورش جماعي خصص لرسم ملامح خارطة الطريق المستقبلية للقطاع.
وجمع اللقاء ممثلين عن أبرز الأقطاب البحرية الوطنية، خاصة أكادير وطنجة والدار البيضاء، حيث شكل محطة استراتيجية لتوحيد الرؤى وصياغة تصور مشترك حول مستقبل قطاع يُنظر إليه اليوم باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لتعزيز التنافسية الاقتصادية للمملكة وتنويع قاعدتها الصناعية. كما شهدت أشغال اللقاء مشاركة ممثلين عن وزارات التجهيز والماء، والصناعة والتجارة، والاقتصاد والمالية، بما يعكس تنامي الوعي بأهمية الصناعة البحرية كقطاع استراتيجي قادر على المساهمة في تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية وخلق فرص الشغل المؤهلة وتعزيز الاستقلالية الصناعية للمملكة.
ويأتي هذا التحرك في ظرفية دولية تعرف تحولات عميقة في صناعة السفن والخدمات البحرية، نتيجة إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية وتزايد الطلب على خدمات الصيانة والإصلاح البحري بالقرب من الممرات التجارية الدولية، وهو ما يمنح المغرب فرصاً واعدة للاستفادة من موقعه الإستراتيجي عند ملتقى أوروبا وإفريقيا وعلى واجهتين بحريتين تمتدان على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.
وخلال جلسات العمل، ناقش المشاركون أبرز التحديات التي تواجه القطاع، وفي مقدمتها محدودية قدرات البناء والإصلاح البحري مقارنة بالطلب المحتمل، والحاجة إلى تطوير الكفاءات البشرية المتخصصة، ورفع مستوى الإندماج الصناعي المحلي، فضلاً عن تحسين منظومة التمويل وتحديث الإطار التنظيمي بما يواكب التحولات المتسارعة التي يعرفها هذا المجال على المستوى الدولي.
كما توقف المتدخلون عند الفرص الإستثنائية التي تتيحها المشاريع المينائية الكبرى التي أطلقتها المملكة خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها ميناء طنجة المتوسط، وميناء الناظور غرب المتوسط، وميناء الداخلة الأطلسي، باعتبارها بنى تحتية قادرة على توفير قاعدة متقدمة لتطوير صناعة بحرية متكاملة تستجيب للحاجيات الوطنية والإقليمية على حد سواء.
وأجمع المشاركون على أن نجاح هذا الورش الإستراتيجي يمر عبر الإستثمار المكثف في البنيات التحتية المتخصصة، وتطوير منظومة التكوين والبحث والإبتكار، وتشجيع الشراكات الدولية النوعية، إلى جانب تعزيز التكامل بين مختلف مكونات المنظومة الصناعية الوطنية، بما يسمح بإنتاج قيمة مضافة أكبر وتقليص الإعتماد على الخدمات الخارجية.
وخلصت أشغال اللقاء إلى صياغة مجموعة من التوصيات التي ستشكل نواة خارطة الطريق المرتقبة لقطاع الصناعة البحرية، والتي ينتظر أن تحدد أولويات الإستثمار والإجراءات المواكب، ة والمشاريع الهيكلية الكفيلة بإرساء صناعة بحرية حديثة ومندمجة وقادرة على المنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية.
وتعكس هذه الدينامية الجديدة انتقال الصناعة البحرية المغربية من مرحلة تشخيص الإمكانات إلى مرحلة بناء رؤية جماعية واضحة المعالم، تقوم على استثمار المؤهلات الجغرافية واللوجستية والصناعية التي راكمتها المملكة خلال السنوات الماضية. كما تؤكد أن الرهان لم يعد يقتصر على تطوير خدمات بحرية تقليدية، بل يمتد إلى بناء منظومة صناعية متكاملة قادرة على جعل المغرب منصة إقليمية للإنتاج والإصلاح والصيانة البحرية، ومحركاً إضافياً للنمو الاقتصادي وخلق الثروة وفرص الشغل خلال السنوات المقبلة.




























