حلت بميناء الوطية بطانطان، في مستهل هذا الأسبوع، جرافة الرمال “COSTA ATLANTICA” التي ترفع العلم الإسباني، قادمة من ميناء آسفي، في خطوة تندرج ضمن مواصلة أشغال الجرف الرامية إلى تحسين شروط الملاحة وتأمين ولوج السفن إلى الحوض المينائي، خاصة في ظل التحديات المتكررة المرتبطة بتراكم الرمال عند المدخل.

وكشفت مصادر عليمة أن السفينة أن عملية الجرف ستستهدف ازيد من 300000 متر مكعب على الأقل من الرمال والترسبات لاسيما وأن الفترة الماضية تميزت بثيارت قوية يكون لها تأثيرها على حركة الرمال. حيث تعمل السفينة على جرف وشفط الرمال المتراكمة، ونقلها إلى مسافات بعيدة عن البوابة جنوب الميناء بحوالي ميلين على الأقل، مع مراعاة العمق المناسب، بحيث يتم تصحيح مسار الرمال لأخذ طريقها العادية. فيما تعول الإدرات المشرفة ومعهم طاقم السفينة، على إستقرار الأحوال الجوية ، لضمان تنفيذ المهمة في أوقات وجيزة. وأكدت ذات المصادر أن الوكالة الوطنية للموانئ إعتادت تنفيد عمليات الجرف مرتين في السنة، إحداهما تكون بعد فصل الشتاء، تستهدف الرواسب والمخلفات الناجمة عن السيول وما يرافقها من تراكمات، فيما تكون الثانية في الشهور الآخيرة من السنة، وهي عادة ما تكون عملية إستباقية، تهدف في عمومها للإستعداد للترسبات.
وتكتسي هذه العملية أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الحيوي الذي تضطلع به أشغال الجرف في الحفاظ على جاهزية الموانئ، حيث تتم هذه العمليات في إطار تعاقدي مضبوط بين الوكالة الوطنية للموانئ وشركات متخصصة، وفق دفاتر تحملات دقيقة تحدد مدة الإنجاز وطبيعة التدخلات التقنية المطلوبة، مع تحميل المسؤولية الكاملة للشركات في حال الإخلال بالالتزامات التعاقدية. وفي هذا السياق، كانت الشركة المغربية للهندسة المدنية “سوماجيك” قد فازت بعقد يمتد لثلاث سنوات منذ سنة 2023 يشمل صيانة وتجريف 27 نقطة مينائية عبر عدة جهات بالمملكة، في خطوة تروم الحد من تأثيرات الطمي والتغرين اللذين يشكلان تحدياً دائماً أمام استمرارية الأداء الأمثل للبنيات التحتية المينائية.
وتبرز أهمية السفينة “COSTA ATLANTICA” في هذا الورش من خلال خصائصها التقنية المتقدمة، إذ تنتمي إلى فئة الحفارات ذات القادوس الماص الزائدة (Trailing Suction Hopper Dredger)، وهي فئة متقدمة تجمع بين قدرات الجرف والنقل والتفريغ في منظومة تشغيلية متكاملة. تحمل السفينة الرقم الدولي 9534925، وترفع العلم الإسباني، بينما تعود ملكيتها إلى شركة Dravo S.A. وتُدار من طرف مجموعة Koninklijke Van Oord NV، إحدى أبرز الشركات العالمية في مجال الأشغال البحرية. وقد تم تشييد هذه الوحدة سنة 2009 داخل أحواض IHC Dredgers – IHC Smit Kinderdijk، ما يعكس مستوى عالياً من الجودة الهندسية والتقنية التي تميز هذا النوع من السفن المتخصصة.
وعلى المستوى الفيزيائي، تمتاز السفينة بهيكل متوازن يمنحها قدرة عالية على المناورة والعمل في بيئات بحرية مختلفة، إذ يبلغ طولها الإجمالي 82.8 متراً وعرضها 16 متراً، مع غاطس يصل إلى 5 أمتار عند التحميل الكامل، وحمولة إجمالية تناهز 3855 طناً. وتعمل بمحركين بقوة إجمالية تبلغ 2980 كيلوواط، ما يمكنها من بلوغ سرعة تصل إلى 11.4 عقدة وهي محملة، وهو ما يضمن سرعة في التنقل بين مواقع الجرف ومناطق التفريغ. كما تتوفر على قادوس بسعة 2400 متر مكعب، يسمح بتجميع كميات كبيرة من الرواسب، إلى جانب نظام ضخ بقطر يصل إلى 650 ملم يعزز كفاءة تفريغ الحمولة.
وتبرز القوة التقنية للسفينة بشكل أكبر في قدرتها على تنفيذ عمليات الجرف بدقة وفعالية، حيث يمكنها العمل على أعماق تصل إلى 25 متراً باستخدام أنبوب شفط بقطر 0.70 متر، ما يجعلها مؤهلة للتعامل مع مختلف أنواع الترسبات، حتى في الظروف المعقدة. وقد عرفت السفينة مساراً مهنياً متنوعاً منذ دخولها الخدمة، حيث اشتغلت تحت تسميات مختلفة من بينها “Juhu Beach” و“Rondo” و“Catarina”، قبل أن تستقر منذ سنة 2019 تحت اسمها الحالي “COSTA ATLANTICA”، وهو مسار يعكس خبرة تشغيلية تراكمت عبر مشاريع متعددة وفي سياقات بحرية متباينة.
وفي المقابل، تتصاعد دعوات مهنية وبرلمانية إلى اعتماد حلول بنيوية مستدامة لمعالجة ظاهرة الترمل، بدل الاكتفاء بالتدخلات الظرفية، بما يعزز جاذبية الميناء ويرفع من تنافسيته، خصوصاً وأن هذه الإشكالية تتكرر بشكل موسمي وتتحول إلى عائق حقيقي أمام أنشطة الصيد البحري. فيما أكدت الوكالة الوطنية للموانئ أن الدراسات التقنية والهيدروغرافية المنجزة حول الخصائص الطبيعية لميناءي طانطان وسيدي إفني ، تؤكد أن عمليات الجرف تبقى الحل التقني الأكثر نجاعة وملاءمة لمعالجة الترسبات الرملية المتكررة، وهو ما يفسر اعتمادها كخيار أساسي ضمن برامج الصيانة المينائية
وسجلت الوكالة في مراسلة رسمية موجهة إلى رئيس غرفة الصيد البحري الأطلسية الوسطى بأكادير، أنها تتابع بشكل مستمر تطور أعماق الممرات الملاحية، معتمدة على قياسات هيدروغرافية دورية بمينائي سيدي إفني وطانطان، مكنت من تشخيص دقيق لحجم الترسبات وتحديد طبيعة التدخلات اللازمة. وعلى ضوء هذه المعطيات، تم إطلاق برنامج تدخل استعجالي لتعبئة آليات الجرف المتخصصة، حيث تم الانتهاء من المرحلة الأولى بميناء سيدي إفني، فيما تتواصل الأشغال بطانطان بوتيرة متسارعة.
وتندرج هذه الجهود ضمن مقاربة مستدامة تعتمدها الوكالة في تدبير ظاهرة طبيعية مرتبطة بدينامية السواحل، عبر برامج صيانة سنوية تضمن استمرارية النشاط الاقتصادي وسلامة الملاحة، في سياق يتسم بظروف بحرية استثنائية ساهمت في تسريع وتيرة الترسبات خلال الموسم الهيدرولوجي الحالي.




























