جدل الغرامات يعيد مشروع قانون الصيد إلى واجهة النقاش المهني والتشريعي (+فيديو)

0
Jorgesys Html test

عاد مشروع القانون رقم 95.21 المتعلق بتنظيم الصيد البحري إلى واجهة النقاش المهني، بعد تداول تسجيل صوتي لأحد الفاعلين في القطاع، عبّر فيه عن تخوفات متزايدة من بعض المقتضيات المرتبطة بالغرامات المالية، محذرا من أن تتحول هذه العقوبات، في حال رفع سقفها، إلى مدخل لممارسات إدارية غير سليمة تقوم على الضغط والتفاوض بدل الردع القانوني والتقويم المهني.

ويأتي هذا الجدل في سياق النقاش الدائر حول مقترح رفع سقف الغرامات من 100 مليون سنتيم إلى 200 مليون سنتيم، وهو ما أثار تساؤلات داخل الأوساط المهنية بشأن جدوى هذا التوجه، خاصة وأن المعطيات المتداولة تشير إلى أن الغرامة القصوى المعمول بها حاليا لم يسبق أن طُبقت على أي مخالف. ويرى عدد من المهنيين أن هذا المعطى يطرح علامات استفهام حول الخلفيات الحقيقية وراء تشديد العقوبات المالية، وما إذا كان الهدف منها تعزيز الردع وحماية الثروة السمكية، أم خلق هوامش واسعة للتقدير الإداري قد تفتح الباب أمام ممارسات غير شفافة.

وليس هذا الرفض جديدا داخل قطاع الصيد البحري، إذ واجه المشروع منذ طرحه موجة من التحفظات والانتقادات، ما ساهم في تأخر مساره التشريعي. وقد ركزت الهيئات المهنية بشكل خاص على مراجعة الجوانب المالية المرتبطة بالغرامات حتى أن المستشار البرلماني كمال صبري سيق وأكد أن الترافع أثمر التوجة نحو إعادة النظر في سقف الغرامة والإبقاء عليه كما كان في وقت سابق ، مع إعتماد تصنيف محدد للأساطيل، فيما تمت الدعوة إلى اعتماد منظومة واضحة للعقوبات، شبيهة بمدونة السير، تقوم على تحديد دقيق للمخالفات والعقوبات المرتبطة بها، بما يضمن الشفافية وتكافؤ الفرص ويحد من التأويلات المتباينة في تطبيق القانون.

وفي السياق ذاته، تؤكد مصادر مهنية في تصريحات متطابقة للبحرنيوز، أن سياسة تدبير العقوبات والمصالحات داخل قطاع الصيد أصبحت في حاجة إلى مراجعة عميقة، خاصة بعد اعتماد المسطرة الجديدة الخاصة بإبرام الصلح في مخالفات الصيد البحري. فبالرغم من أن هذه الآلية جاءت بهدف تبسيط الإجراءات وتخفيف الضغط عن القضاء، إلا أن طريقة تنزيلها أثارت الكثير من الملاحظات المرتبطة بتوازن العلاقة بين الإدارة والمهنيين.

ويعتبر المهنيون أن خيار الصلح، الذي غالبا ما يلجأ إليه مجهزو السفن تفاديا لطول وتعقيدات المساطر القضائية، بات يطرح إشكالات حقيقية على مستوى التطبيق. فالمخالف يجد نفسه مضطرا لتوقيع محضر الصلح وقبول شروط الإدارة قبل أن يكون على علم بالقيمة النهائية للغرامة، وهو ما يشبه، بحسب تعبير عدد من المتتبعين، التوقيع على “شيك على بياض”، يمنح الإدارة صلاحية واسعة في تحديد العقوبة بعد إتمام المسطرة. ويرى مهنيون أن هذا الوضع يخلق ضغطا نفسيا وماديا على المجهزين، ويطرح تساؤلات قانونية وأخلاقية حول مدى احترام مبادئ الشفافية والإنصاف في مسطرة يفترض أن تقوم على التراضي والتوافق الواضح بين الطرفين.

ورغم هذه الانتقادات، يجمع مختلف الفاعلين على أهمية حماية المصايد البحرية وتشديد المراقبة لمحاربة الصيد غير القانوني، غير أنهم يؤكدون في المقابل أن المقاربة الزجرية وحدها لا تكفي، وأن نجاح أي إصلاح تشريعي يظل رهينا بمدى إشراك المهنيين في صياغة القوانين وتبسيط المساطر وتعزيز التواصل الميداني. كما يدعون إلى انخراط أكبر لمديرية المراقبة في تأطير الفاعلين المهنيين، عبر تكثيف اللقاءات التواصلية والانفتاح على غرف الصيد، بهدف ترسيخ ثقافة قانونية قائمة على الوعي والمسؤولية بدل الاقتصار على منطق العقوبة.

وكانت مسطرة الصلح الجديدة قد دخلت حيز التنفيذ في نونبر 2021، محددة آجالا دقيقة لإبداء الرغبة في الصلح ومعالجة الملفات وأداء الغرامات التصالحية، غير أن متتبعين للشأن البحري يرون أن النصوص الحالية منحت الإدارة سلطة واسعة تجعلها في موقع الخصم والحكم في آن واحد، خصوصا في ظل محدودية الرقابة القضائية على بعض مراحل التسوية.

وتشير مصادر البحرنيوز ذاتها إلى أن مخالفات الصيد البحري ترتبط بمجال اقتصادي استراتيجي وحساس، ما يفرض تحقيق توازن دقيق بين حماية الموارد البحرية وضمان استقرار الاستثمار والعدالة المهنية. فالمطلوب، بحسب عدد من الفاعلين، ليس فقط تشديد العقوبات، بل بناء منظومة متكاملة تمنع وقوع المخالفات من الأصل، من خلال التوعية والتحسيس وتحديث آليات المراقبة، بما يعزز ثقافة احترام القانون ويحافظ على الثروة السمكية للأجيال المقبلة.

وفي ظل تزايد عدد المخالفات المسجلة خلال السنوات الأخيرة، يتصاعد النقاش حول الحاجة إلى إحداث قضاء متخصص في القضايا البحرية، قادر على مواكبة خصوصيات القطاع وضمان سرعة البت في النزاعات وتحقيق الأمن القانوني لجميع الأطراف. فالتحدي اليوم لا يتعلق فقط بتغليظ العقوبات، بل بإرساء عدالة تدبيرية متوازنة تجعل من القانون أداة لتنظيم القطاع وتحقيق الاستدامة، لا مصدر توتر إضافي داخل أحد أكثر القطاعات ارتباطا بالأمن الغذائي والاقتصاد الوطني.

وإليكم هذا الفيديو الذي يوثق تدخل للبرلماني كمال صبري حول الموضوع ضمن اشغال جامعة غرف الصيد في صيف 2024

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا