في سياق عالمي متسارع تُهدِّده أنماط التماثل الثقافي وتُضعِف فيه العولمة المفرطة الخصوصيات المحلية، يكتسي الاهتمام بالموروث الثقافي، ولا سيما التراث اللامادي، أهمية استراتيجية تتجاوز البعد الرمزي إلى رهانات السيادة الهوياتية والتنمية المستدامة. ومن هذا المنطلق، يندرج مشروع إحداث متحف بحري جهوي بمدينة أصيلة كمبادرة ثقافية واعية، تستحضر الذاكرة الجماعية وتعيد الاعتبار لعلاقة الإنسان بالبحر بوصفها مكوّناً مؤسِّساً لهوية المجال المتوسطي.
فقد وجّهت جماعة أصيلة مراسلة رسمية إلى رئيس غرفة الصيد البحري المتوسطية، تحت إشراف ولاية جهة طنجة–تطوان–الحسيمة وعمالة طنجة أصيلة، تدعو من خلالها إلى الانخراط في مشروع يروم حفظ وتثمين ذاكرة الملاحة البحرية، وأساليب الصيد التقليدي، والغوص، وصناعة المراكب. وهي عناصر لا تمثل مجرد ممارسات مهنية منقضية، بل تشكّل رصيداً ثقافياً حياً يعكس أنماط العيش، ونُظُم المعرفة، والعلاقات الاجتماعية التي نسجتها المجتمعات الساحلية عبر قرون.

وتبرز المراسلة، كما ورد في البوابة الرسمية لغرفة الصيد البحري المتوسطية، الأهمية الرمزية والثقافية لهذا المشروع، باعتباره آلية لتوثيق التراث البحري وإتاحته للأجيال الصاعدة، في أفق تحويل الذاكرة من مجرد حنين إلى الماضي إلى رافعة للتفكير في المستقبل. فالتراث، حين يُؤطَّر ضمن رؤية حداثية، يصبح مجالاً للحوار بين المحلي والكوني، وبين الأصالة ومتطلبات العصر.
وفي هذا السياق، تقترح جماعة أصيلة اعتماد برج القصبة بالمدينة العتيقة مقراً لاحتضان المتحف البحري، نظراً لما يحمله من قيمة تاريخية ومكانة رمزية داخل النسيج العمراني للمدينة. ويُنتظر أن يضفي هذا الاختيار بعداً جمالياً وسياحياً على المشروع، ويعزز موقع أصيلة كمدينة ثقافية قادرة على استثمار تراثها في دينامية تنموية متوازنة.
ويأتي هذا المشروع منسجماً مع برنامج التنمية الجهوية 2022–2027، الذي صادقت عليه وزارة الداخلية، والذي يضع تثمين التراث البحري ضمن أولوياته، باعتباره رافعة لتعزيز السياحة الثقافية وخلق قيمة مضافة محلية. كما دعت الجماعة غرفة الصيد البحري المتوسطية إلى الانخراط الفعلي، إلى جانب باقي الشركاء، لضمان التنسيق والمواكبة اللازمين لإنجاح هذا الورش الثقافي.




























