تكشف المعطيات الواردة في عرض لجنة تتبع مصايد القمرون بالمغرب، المنعقد في 7 أبريل 2026، عن صورة مركبة لقطاع حيوي يواصل التوسع من حيث الجهد المبذول، لكنه يواجه في المقابل تحديات واضحة على مستوى المردودية. وتبرز الأرقام، الممتدة بين 2015 و2025، دينامية لافتة في نشاط الأسطولين الساحلي وأعالي البحار، بما يعكس أهمية هذا النشاط في المنظومة الإقتصادية البحرية، لكنه يطرح في الآن ذاته أسئلة دقيقة حول استدامة الموارد وفعالية أنماط الاستغلال الحالية.

فخلال عشر سنوات التي يعالجها التقرير الذي إطلعت البحرنيوز على تفاصيله، إرتفع عدد وحدات الأسطول الساحلي من 411 وحدة سنة 2015 إلى 561 وحدة في 2025، أي بزيادة تناهز 14 في المائة، بينما انتقل عدد سفن الصيد في أعالي البحار من 52 إلى 65 وحدة، مسجلاً نمواً يقارب 19 في المائة. هذا التوسع رافقه ارتفاع ملحوظ في عدد الرحلات البحرية، حيث انتقل عدد “الرحلات” في الصيد الساحلي من 20880 إلى 25581، كما ارتفع عدد أيام الصيد في أعالي البحار من 12196 إلى 19004 يوماً. هذه المؤشرات تعكس تكثيفاً واضحاً للجهد الاستغلالي، مدفوعاً بارتفاع الطلب وتحسن القدرات اللوجستية، لكنها في الآن نفسه تشكل ضغطاً إضافياً على المخزون القشري.
على مستوى الإنتاج، تظهر البيانات تقلبات بارزة خلال الفترة المدروسة. فقد بلغ إجمالي إنتاج القمرون 7334 طناً سنة 2015، قبل أن يرتفع إلى 7897 طناً في 2016، ثم يتراجع بشكل حاد إلى 6059 طناً في 2017 ويواصل الانخفاض إلى حدود 5992 طناً في 2020. غير أن القطاع عرف منعطفاً إيجابياً ابتداءً من 2021، حيث قفز الإنتاج إلى 9739 طناً، ليستمر في الارتفاع إلى أن بلغ ذروته سنة 2023 بحوالي 11561 طناً، قبل أن يستقر نسبياً في حدود 11196 طناً في 2024 و11344 طناً في 2025. هذا المسار يعكس قدرة المصيدة على التعافي، لكنه يؤكد أيضاً هشاشتها أمام التغيرات البيئية وضغط الإستغلال.
وبتفصيل أكثر، يظل القمرون الوردي المكون الأساسي للإنتاج، إذ ارتفعت كمياته من 5590 طناً سنة 2015 إلى 9823 طناً في 2025، مع تسجيل قفزة كبيرة بعد 2020. أما القمرون الملكي، فقد عرف تراجعاً عاماً من 1086 طناً إلى 944 طناً، رغم بعض التحسن الطفيف في السنوات الأخيرة. في المقابل، بقيت فئة “أنواع أخرى من القمرون” محدودة نسبياً ومتقلبة، حيث انتقلت من 658 طناً إلى 577 طناً خلال نفس الفترة.
وعلى مستوى التوزيع الجغرافي، تبرز موانئ بعينها كمراكز ثقل حقيقية. ففي الصيد الساحلي لسنة 2025، سجل ميناء الدار البيضاء أعلى تفريغ للقمرون الوردي بحوالي 2048 طناً، بينما تميز ميناء الجديدة في القمرون الملكي بقرابة 27 طناً، في حين توزعت باقي الكميات على موانئ أخرى بنسب متفاوتة. أما في الصيد بأعالي البحار، فيبرز ميناء أكادير كمحور رئيسي لتفريغ القمرون المجمد، سواء الوردي أو الملكي، ما يعكس تمركز البنية التحتية والتجهيزات الصناعية في هذه الجهة.
التحليل الشهري للصيد الساحلي خلال 2025 يظهر بدوره موسمية واضحة. فالقمرون الوردي يبلغ ذروته في شهر ماي بحوالي 730 طناً، بينما يسجل أدنى مستوياته في مارس بنحو 391 طناً. أما القمرون الملكي، فيتميز بارتفاع نسبي خلال الفترة الممتدة من ماي إلى أكتوبر، مقابل ضعف ملحوظ في الأشهر الثلاثة الأولى من السنة. هذه الموسمية تطرح تحديات مرتبطة بتدبير فترات الراحة البيولوجية وتكييف مجهود الصيد مع دورات التجدد الطبيعي للمخزون.
ورغم هذا النمو في الإنتاج الإجمالي وفق ذات التقرير الذي تتوفر البحرنيوز على نسخة منه، فإن المردودية تعرف منحى تنازلياً مقلقاً. ففي الصيد الساحلي، انخفض المردود من 340.7 كلغ لكل رحلة في 2023 إلى 279 كلغ في 2025، أي بتراجع يقارب 18 في المائة، وهو ما يعزى أساساً إلى ارتفاع عدد الرحلات دون زيادة موازية في الكميات المصطادة. كما ارتفع عدد السفن من 490 إلى 561 وحدة خلال نفس الفترة، ما يعزز فرضية الضغط المفرط على الموارد. الوضع نفسه يسجل في الصيد بأعالي البحار، حيث تراجع المردود من 245 كلغ في اليوم إلى 222 كلغ، أي بانخفاض يقارب 9 في المائة، رغم ارتفاع إجمالي المصطادات من 3.9 مليون كلغ إلى أكثر من 4.2 مليون كلغ.
هذه المفارقة بين ارتفاع الإنتاج الإجمالي وتراجع المردودية تضع القطاع أمام تحدي حقيقي، يتمثل في ضرورة تحقيق التوازن بين استغلال الموارد وضمان استدامتها. وفي هذا السياق، تبرز أهمية إجراءات التدبير المعتمدة، والتي تشمل تقسيم مناطق الصيد إلى نطاقين رئيسيين، مع فرض قيود زمنية ومجالية صارمة، خاصة بالنسبة لأساطيل الجر الساحلية وأعالي البحار. كما تم اعتماد فترات منع للصيد خلال مواسم الراحة البيولوجية، لا سيما المرتبطة بالأخطبوط، إلى جانب تحديد مناطق محظورة مؤقتاً أو دائماً، مثل منع الصيد في الأعماق التي تقل عن 500 متر خلال شهر يوليوز بالنسبة لبعض الأنشطة.
ويكتسي القرار الأخير المتعلق بإرساء نظام “الزونينغ” الخاص بسفن الجر الساحلية، الصادر في فبراير 2026، أهمية خاصة، إذ يعكس توجهاً نحو تنظيم أدق للمجال البحري وتقليص التداخل بين الأساطيل، بما قد يساهم في تحسين المردودية وتقليل الضغط على الموارد.
وفي المحصلة، يظهر قطاع صيد القمرون بالمغرب في وضعية نمو كمي، لكنه يواجه تحديات نوعية تتعلق بالكفاءة والاستدامة. الأرقام تعكس إمكانات كبيرة، لكنها في الآن ذاته تنبه إلى ضرورة إعادة النظر في نماذج الاستغلال، وتعزيز آليات الحكامة، وتكثيف المراقبة العلمية، لضمان استمرار هذا المورد الحيوي في دعم الاقتصاد الوطني دون استنزافه.
وستكون لنا عودة مفصلة لهذا الموضوع في مقالات قادمة ..


























