يشهد الساحل الأطلسي المغربي خلال الأشهر الأخيرة عودة لافتة لظهور قنديل البحر المعروف بـ“الغالير البرتغالية” أو “Physalia physalis”، وهي ظاهرة بحرية تثير اهتمام الأوساط العلمية والمهنيين والفاعلين البيئيين بالنظر إلى ما تحمله من انعكاسات على السلامة البحرية والأنشطة الساحلية المرتبطة بالصيد والاستجمام. وفي هذا السياق أصدرت مندوبية الصيد البحري بالعيون إعلاناً تحذيرياً دعت فيه البحارة والصيادين ومستعملي الشواطئ إلى توخي الحيطة والحذر، بعد تسجيل ظهور متكرر لهذا الكائن بعدد من المناطق الممتدة على الساحل الأطلسي.

وتفيد المعطيات الواردة في الإعلان، المستندة إلى برنامج مراقبة الكائنات البحرية السامة الذي يشرف عليه المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، بأن رصد أسراب من “الغالير البرتغالية” بدأ منذ مطلع شهر فبراير 2026، خصوصاً بالمياه الساحلية الواقعة بين الدار البيضاء والجديدة وآسفي والصويرة وأكادير، وصولاً إلى بعض المناطق الجنوبية. ورغم أن هذا الكائن غالباً ما يُصنف ضمن قناديل البحر، إلا أنه في الحقيقة كائن بحري استعمارِي ينتمي إلى فصيلة السيفونوفورات، ويتميز بقدرته العالية على التسبب في لسعات مؤلمة قد تكون خطيرة في بعض الحالات.
ويأتي هذا التطور في ظرفية تتسم بتزايد النقاش العلمي حول التحولات البيئية والبحرية التي تشهدها السواحل المغربية، سواء نتيجة تغير درجات حرارة المياه أو تغير اتجاهات التيارات البحرية والرياح، وهي عوامل يعتبرها عدد من الباحثين محفزاً مباشراً لتوسع انتشار بعض الأنواع البحرية غير المعتادة. كما أن تواتر تسجيل هذه الظاهرة خلال السنوات الأخيرة يطرح تساؤلات متزايدة حول مدى ارتباطها بالتغيرات المناخية التي باتت تؤثر بشكل واضح على التوازنات الإيكولوجية البحرية في المنطقة.
وتكتسي هذه الظاهرة حساسية خاصة بالنسبة لقطاع الصيد البحري، بالنظر إلى احتكاك البحارة المباشر بهذا النوع من الكائنات أثناء عمليات الصيد وجر الشباك. فقد نبه الإعلان إلى أن بقايا هذه الكائنات تظل قادرة على التسبب في اللسع حتى بعد نفوقها أو انجرافها إلى الشاطئ، ما يضاعف من مخاطر التعامل غير الحذر معها. كما شددت السلطات البحرية على ضرورة تجنب لمسها مباشرة، مع غسل موضع الإصابة بمياه البحر عند التعرض للسعات، واللجوء إلى المصالح الصحية عند استمرار الألم أو ظهور أعراض مقلقة.
ولا يقتصر تأثير “الغالير البرتغالية” على المهنيين وحدهم، بل يمتد أيضاً إلى المصطافين ومرتادي الشواطئ، خصوصاً الأطفال، في ظل جاذبية الشكل الخارجي لهذا الكائن الذي قد يوحي للوهلة الأولى بأنه غير مؤذٍ. غير أن خبراء الأحياء البحرية يؤكدون أن خيوطه الطويلة تحتوي على خلايا لاسعة قادرة على حقن سموم تسبب آلاماً حادة وتهيجات جلدية قد تتطور لدى بعض الأشخاص إلى مضاعفات صحية تتطلب تدخلاً طبياً عاجلاً.
وتبرز أهمية الإعلان الصادر عن مندوبية الصيد البحري بالعيون في كونه يعكس توجهاً متنامياً نحو تعزيز ثقافة الوقاية البحرية وربط البحث العلمي بالتواصل الميداني مع المهنيين والمواطنين. فالتعامل مع مثل هذه الظواهر لم يعد يقتصر على الرصد العلمي فقط، بل أصبح رهيناً أيضاً بفعالية التحسيس والتوعية واليقظة البيئية المستمرة. وبين التحولات المناخية المتسارعة وتنامي الضغوط على النظم البحرية، تبدو الحاجة ملحة إلى تطوير آليات الرصد المبكر وتعزيز التعاون بين المؤسسات العلمية والسلطات المحلية والمهنيين، بما يضمن حماية الإنسان والمحافظة في الآن ذاته على التوازنات البيئية للساحل المغربي.





























