إقتطاعات من مداخيل البحّارة تحت المجهر .. سؤال برلماني يفتح ملف الجمعيات وصناديق البحر

0
Jorgesys Html test

أعاد سؤال برلماني على مستوى مجلس النواب فتح النقاش حول مدى وجود رقابة على أنشطة الجمعيات المحلية المستفيدة من جزء من مساهمات البحّارة ، بعد أن طُرح هذا الموضوع في صيغة سؤال برلماني شفوي آني  موجه لكاتبة الدولة المكلّفة بالصيد البحري من طرف النائبة نادية بزندفة، وذلك في سياق تسليط الضوء على كيفية تدبير الموارد المالية المقتطعة من مداخيل البحارة.

ويأتي هذا السؤال، وفق ما أوضحته بزندفة، استجابةً لتساؤلات متزايدة في أوساط مهنيي القطاع حول مساطر تحويل هذه المداخيل إلى الجمعيات المحلية، وكذا طبيعة تدبيرها ومدى احترامها لمبادئ الشفافية والحكامة، بما يضمن توجيهها فعلياً لخدمة المصالح الإجتماعية والمهنية للبحّارة.

وتشير المعطيات التي أوردتها النائبة البرلمانية إلى أن البحارة يساهمون بشكل منتظم في عدد من الصناديق المرتبطة بتسويق منتجات الصيد البحري وخدمات الموانئ، حيث تُقتطع مبالغ مالية دورية من مداخيلهم. وفي المقابل، يعمد بعض البحارة على المستوى المحلي إلى تأسيس جمعيات ذات طابع مهني أو اجتماعي، تستفيد من جزء من هذه المساهمات، بهدف توفير خدمات إجتماعية لفائدتهم، مثل الدعم الصحي أو المساهمة في تحسين ظروف العمل داخل موانئ الصيد.

غير أن هذا المسار يثير، بحسب بزندفة، جملة من التساؤلات لدى المهنيين، خصوصاً في ما يتعلق بوضوح المساطر المعتمدة لتحويل هذه الموارد إلى الجمعيات، ومعايير تحديد نسب الإستفادة منها، فضلاً عن أوجه صرفها الفعلية ومستوى الشفافية المعتمد في تدبيرها.

كما تُطرح تساؤلات أخرى حول الجهة المخوّل لها قانوناً تتبّع هذه الموارد ومراقبة صرفها بما يتوافق مع الأهداف التي أُحدثت من أجلها، لاسيما وأن الأمر يتعلق بإقتطاعات منتظمة من مداخيل البحارة، ما يجعل مسألة الحكامة والرقابة المالية موضوعاً ذا حساسية خاصة داخل القطاع.

وفي هذا الإطار، دعت النائبة البرلمانية إلى توضيح الإطار القانوني والتنظيمي الذي يؤطر استفادة الجمعيات المحلية من جزء من مساهمات البحارة، متسائلة عمّا إذا كانت هذه الجمعيات تخضع لرقابة المكتب الوطني للصيد البحري أو لأي جهة وصية أخرى، إضافة إلى الإستفسار عن وجود آليات للإفتحاص أو التتبع الدوري لضمان الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ويعيد هذا النقاش إلى الواجهة إشكالية الإقتطاعات التي تطال مداخيل بيع مصطادات مراكب الصيد الساحلي لفائدة الجمعيات المهنية وصناديق البحر، وهي قضية سبق التطرق إليها في مقال سابق للزميل محمد عكوري، حيث تطرح هذه الاقتطاعات أسئلة معقّدة تراكمت عبر السنوات دون أن تجد إجابات واضحة.

ويزداد الغموض، وفق متابعين للقطاع، بالنظر إلى أن المبالغ المقتطعة – والتي قد تصل في مجموعها إلى أرقام مهمة – لا ينعكس أثرها بشكل ملموس على تحسين الوضعية الإجتماعية للبحّار أو على تطوير القطاع، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى خضوع هذه الموارد لأي شكل من أشكال المراقبة من قبل الإدارات الوصية أو السلطات الإقليمية، بل وحتى الهيئات القضائية.

وتتعمق الإشكالات المرتبطة بهذه الجمعيات والصناديق حين يلاحظ أن جموعها العامة نادراً ما تُعقد، وفي حال انعقادها غالباً ما تُعرض تقارير مالية تفتقر إلى الدقة والصرامة، ولا ترقى إلى الحد الأدنى من متطلبات الشفافية والحكامة. كما تعاني المكاتب المسيرة في كثير من الحالات من غياب النصاب القانوني، في ظل تردد بعض المسؤولين في تجديد الهياكل التنظيمية، لما قد يترتب عن ذلك من إلزام بتقديم حسابات مالية مفصلة قد تكشف إختلالات قائمة.

وأمام هذه الممارسات، يرى عدد من الفاعلين في القطاع أن العديد من الجمعيات والصناديق البحرية تحوّلت إلى كيانات شكلية لا يتجاوز حضورها حدود الوثائق الإدارية، دون أثر فعلي على أرض الواقع. بل إن بعضها بات يتعامل مع الإيداعات القانونية كإجراء شكلي يسمح له بالاستمرار في الظل، في سياق يخدم أحياناً مصالح ضيقة وشخصية، تقوم أساساً على الإستفادة من اقتطاعات تمس دخل البحّار دون إشراكه الفعلي في القرار.

وفي قلب هذا المشهد، تتشكّل علاقة البحّار بهذه الاقتطاعات كنوع من المعاناة الصامتة، تتقاطع فيها الإكراهات الإقتصادية مع ضعف التمثيلية المهنية وغياب الشفافية في تدبير الموارد. ومع ذلك، يظل هذا الملف بعيداً عن النقاش العمومي الواسع، وسط زخم من القضايا القطاعية الأخرى، رغم ما يحمله من أبعاد اجتماعية وإنسانية عميقة تمسّ شريحة واسعة من العاملين في قطاع الصيد البحري.

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا