في أفق استئناف نشاط مراكب الصيد الساحلي صنف الأسماك السطحية الصغيرة بالوسط والجنوب، يعود ورش التعاقد إلى الواجهة بوصفه أحد أكثر المواضيع إثارة للجدل داخل الأوساط المهنية. عودة النقاش ليست معزولة عن السياق العام الذي يطبع القطاع، حيث تتقاطع هشاشة الأوضاع الإجتماعية للبحارة مع ضغوط الإنتاج وتقلبات المصايد، ما يجعل أي حديث عن تنظيم العلاقة الشغلية محمّلاً بانتظارات كبيرة ومخاوف لا تقل عنها حجماً. تسريبات إشتراط بعض المجهزين التعاقد لإركاب البحارة، واقتراح صيغ تجمع بين أجرة شهرية وتعويض عن الطن، كانت كافية لإعادة إشعال نقاش قديم جديد على صفحات البحارة بمواقع التواصل الإجتماعي، يتجاوز مضمون العقد نفسه ليطال فلسفة العمل البحري كما إستقر عليها العرف لعقود طويلة.

وينطلق التيار المرحب بالتعاقد من قناعة مفادها أن القطاع لم يعد يحتمل إستمرار العلاقات الشفوية والهشة، وأن الإنتقال إلى صيغة تعاقدية واضحة من شأنه تثبيت الحقوق وتحويلها من وضع متحول يخضع لتقلبات الموسم والمصيدة إلى وضع قار يوفر الحد الأدنى من الأمان الإجتماعي. في هذا التصور، لا يُنظر إلى العقد فقط كآلية قانونية، بل كمدخل لإعادة بناء الحياة الإجتماعية للبحار، عبر دخل منتظم يسمح بالتخطيط، والإستفادة من الخدمات البنكية، والإندماج الطبيعي في الدورة الاقتصادية، بدل نمط العيش القائم على فترات المد والجزر، حيث تتبخر مداخيل الرحلة بسرعة “البحري كطير فلوسو قبل ما ينشفو حوايجو” ، ويظل البحار عالقاً في حلقة من اللايقين المالي. هذا الطرح يجد صداه لدى فئات واسعة أنهكها العمل الشاق دون أفق واضح، وترى في الأجرة القارة المشروط بالواقعية والجيبة عن الإنتظارات مع نظام الحوافز ، بداية تصحيح اختلال تاريخي في ميزان العلاقة مع المجهز.
في المقابل، لا تخفي الأصوات المنتقدة تخوفها من التعاقد، وإن كان هذا التخوف يُعبَّر عنه أحياناً بلغة عامة تخفي وراءها مصالح غير معلنة. فالنقاش لا ينفصل عن إشكالية توزيع الحصص، التي ما تزال محكومة بتوازنات اجتماعية أكثر من كونها مؤطرة بالقانون، ما يجعل بعض المستفيدين من المراكب ذات المردودية العالية أقل حماسة لأي تغيير قد يعيد ترتيب الأوراق. كما أن غياب تمثيلية نقابية قوية تعكس الواقع العددي والمعيشي للبحارة يساهم في تشويش النقاش، إذ تُناقش قضايا مصيرية من فوق، بينما الأغلبية الصامتة غارقة في يوميات العمل ولا تملك لا الوقت ولا الأدوات للتأثير في مسار الحوار حول مستقبلها المهني.
وتتعقد الصورة أكثر حين يُختزل النقاش في مواقع فئوية ضيقة، دون استحضار تجارب مقارنة أبانت عن إمكانية التوفيق بين حماية حقوق البحارة وضمان استدامة الإستثمار. فعدد من البلدان المتوسطية والشمالية اعتمدت نماذج تعاقدية واضحة، قائمة على الشفافية وتقاسم المسؤوليات، ما سمح بتقليص النزاعات وتحسين المردودية الإجتماعية والإقتصادية في آن واحد. من هذا المنطلق، يبدو المسار التدريجي لتفعيل العقد النموذجي خياراً واقعياً وفق ما أوردناه في مقال سابق لزميلنا عبد الخالق جيخ، ، إذ يبدأ الأمر بتجربة محدودة في ميناء واحد، تُقيَّم نتائجها قبل التعميم، مع التفكير الجدي في إعادة هيكلة ملكية المراكب نحو صيغ شركات، بما يعزز الحكامة ويحد من تضارب المصالح. كما أن الاستئناس بتجربة عقود بحارة أعالي البحار، خاصة لدى المراكب المملوكة لشركات، يظل ممكناً إذا ما تم تكييفه مع خصوصيات الصيد الساحلي.
وتتغذى الحاجة إلى التعاقد أيضاً من واقع نزاعات متكررة بين المجهزين والبحارة، مرتبطة بالتسبيقات المالية التي تتحول إلى ديون مزمنة، وبممارسات غير مؤطرة مثل تحميل البحارة مصاريف لا تدخل ضمن مسؤولياتهم أو حجز دفاترهم عند الرغبة في تغيير المركب. في هذا السياق، لا يُنظر إلى العقد كعبء إضافي، بل كآلية لتنظيم العلاقة وتحديد الحقوق والواجبات بوضوح، بما يحد من النزاعات ويمنح البحار إمكانية ولوج خدمات أساسية كالقروض البنكية والسكن، وهو ما ينعكس إيجاباً على الاستقرار الاجتماعي داخل الموانئ.
ويبقى ورش التعاقد جزءاً من نقاش أوسع حول مستقبل القطاع، الذي يُصنف دولياً كأحد أصعب القطاعات من حيث الإكراهات الإجتماعية والإقتصادية. إذ يعيد هذا الواقع إلى الواجهة مطلب إخراج مدونة بحرية عصرية، طال انتظارها، قادرة على توحيد النصوص المتقادمة والمشتتة، ومواكبة التحولات التي يعرفها القطاع. فالصيد البحري، رغم مرونته التي برزت خلال أزمة كوفيد-19 وقدرته على امتصاص الصدمات مقارنة بقطاعات أخرى، ما يزال يعتمد على شغيلة تعيش هشاشة بنيوية، وهو ما يجعل أي إصلاح، بما فيه التعاقد، رهيناً بإرادة حقيقية لإعادة الإعتبار للعنصر البشري كركيزة أساسية لإستدامة القطاع وتوازنه.



























