الداخلة .. 75 مركبا تستعد لمغادر مصيدة “التناوب” وسط نقاش عميق حول المصيدة

0
Jorgesys Html test

تدخل مصيدة التناوب إبتداء من فاتح يناير وإلى غاية نهاية فبراير المقبل في راحة بيولوجية ، حيث ستكون مراكب الصيد الساحلي ال 75  النشيطة بمصيدة الأسماك السطحية الصغيرة، مطالبة بمغادرة ميناء الداخلة لفسح المجال امام لائحة جديدة من المراكب ، بعد موسم صيد حكمته الكثير من التناقضات ، وبدا فيه حضور سمك السردين متذبذبا للغاية بعد أن ظلت هذه الفصيلة من الأسماك السطحية الصغيرة  تعتبر هي المحرك الساس لكل مصيدة .

وتجد المراكب نفسها اليوم وهي تغادر المصيدة، غير آسفة على هذا الحركة عائدة نحو موانئ الشمال، على إعتبار أن مصيدة الجنوب لم تكن بذات السخاء الذي ظل يسيل لعاب المجهزين، حتى أن الأرقام تؤكد أن مراكب معدودة على رأس الأصابع هي التي تمكنت هذا الموسم من إنهاء كوطتها، في حين وجدت أغلبية المراكب نفسها تواجه المجهول ، بعد أن كذب الواقع الميداني حساباتها وأربك مخططاتها الميدانية، لاسيما نذرة الأسماك وكذا الإضطرابات الجوية، ناهيك عن صراع الأساطيل النشيطة بالمصيدة. وهي اليوم أمام مغادرة قسرية ، بعد إختتام موسم كانت تعلم المراكب أن مغادرتها بعده محتومة، لمنح الفرصة لمراكب جديدة، خطتها الإدارة قبل عام في خطوة سيكون لها ما بعدها.

ويرى مهنيون أن ما يحدث في المواسم الآخيرة من تقلبات يجب أن يُقرأ كناقوس خطر حقيقي، فالتحولات المناخية لم تعد فرضيات أكاديمية؛ بل إنها واقع يعيشه العاملون في الموانئ والمصانع. انخفاض الكميات المصطادة بنسبة كبيرة هذا العام، وصغر أحجام الأسماك، واضطراب المواسم البحرية، كلها مؤشرات على أن المنظومة البيئية فقدت اتزانها. لاسيما وأن السردين والماكرو ..،تعد  عصب اقتصاد بحري يؤمّن آلاف فرص الشغل، ويغذي الصناعة الوطنية، ويدعم الاستقرار الاجتماعي في مدن الأطلسي والصحراء. وهو ما يستدعي مراجعة شاملة لمنظومة تدبير المصايد السطحية.

هذا النقاشالمتجدد  نجمت عنه حالة من القلق والترقب ، لاسيما وأن الأزمة التي تعرفها مصايد السردين حالياً، تعود إلى عوامل متعددة، على رأسها التغيرات المناخية والضغط البيئي والفعل الإنساني بشكل متفاوت بين الأساطيل. وهو ما جعل الإدارة تتجه لأخذ زمام المبادرة في تنزيل مجموعة من التدابير، وخاصة تلك المتعلقة بمراجعة معدات الصيد بما في ذلك فسح المجال أمام المقص لمراجعة حجم الشباك الدائرية، التي تُستخدم بشكل واسع في الصيد الساحلي. 

وعلق مهنيون ينشطون في صيد السمك الصناعي بواسطة المراكب الساحلية التي تستعمل الشباك الدائرية،  بأن  هذه الخطوة  تبقى غير مجدية في تقليل حجم الخسائر،  بقدر ما ستضيق الخناق على نشاط مراكب السردين ، خصوصا وأن هذه المراكب التي تعمل على الصيد بشكل جماعي، تقوم بالصيد بين الماء والماء على مستوى السطح،  دون أن يكون لها تاثير على القاع .  ومع إتساع أزمة مصيدة الأسماك السطحية تتجه أصابع الإتهام إلى الصيد بالجر بشباك البيلاجيك في أعماق مصايد الأسماك السطحية الصغيرة، مطالبين بتفعيل توصية صريحة صادرة عن المدير السابق للمعهد الوطني للبحث في الصيد، عبد المالك فرج، والذي شدد  على ضرورة منع صيد السردين بتقنية الجر في إشارة لسفن  “RSW وحصر صيد السردين في تقنية الشباك الدائرية . وذلك تماشياً مع التجارب الدولية التي اتخذت نفس المسار، إدراكاً منها للخطر الكبير الذي تشكله هذه التقنية على ديمومة المخزون.

وبين طرح المناصرين والمنتقذين،  يدعو مهنيو الصيد الساحلي إلى مقاربة إصلاحية شاملة ومسؤولة، ترتكز على معطيات علمية واضحة، وتراعي الفروقات بين أنماط الصيد المختلفة، بدل التركيز على إصلاحات تجزيئية،  قد تضر بفئة وتغض الطرف عن الفاعلين الحقيقيين في الإضرار بالمصايد. وواقع الحال يتطلب قرارات شجاعة، لكن قبل ذلك، تتطلب وضوح الرؤية وصدق التشخيص. فيما يوصي آخرون على ضرورة البحث على حلول تمتد لدول الجوار ، في إشارة لموريتانيا والسنغال ، لأن التدابير التي تتخذ على مستوى المملكة، لن تكون ذات جذوى دن تدعيمها بقرارات مماثلة على مستوى الدول الشركة في المصيدة، وإلا ستكون جهود المغرب يستفيد منها مهنيو الجوار بشعار “جري يا التاعس في سعد الناعس”.

وقد أجمع الخبراء المشاركون مؤخرا في الورشة  العلمية الدولية المنظمة تحت عنوان: “صغار الأسماك السطحية بين الاستغلال المفرط وتغير المناخ: تحدي كبير من أجل تدبير تكيّفي ومستدام”على أن الحلول التقنية وحدها لم تعد كافية، بل أصبح من الضروري بناء رؤية إيكولوجية موسعة تجعل من التعاون العلمي والسياسي الإقليمي أولوية قصوى. فالأمن الغذائي لملايين السكان على امتداد غرب إفريقيا بات مرتبطًا بإمكانية تأمين مصايد مستدامة، خصوصًا مع تصاعد الضغط على الموارد بسبب أنشطة مصانع دقيق وزيت السمك، التي تستهلك كميات هائلة من الأسماك السطحية الصغيرة، وتُهدد التوازن البيئي والاجتماعي للمنطقة.

وتدفع هذه المعطيات باتجاه التفكير في نماذج تدبيرية أكثر تكاملًا ومرونة، قائمة على الرصد المستمر للمخزونات، واعتماد الحصص المتغيرة في الزمن الحقيقي، وتخفيض مجهود الصيد وفق مؤشرات بيئية دقيقة، والأهم من ذلك، الانتقال من التدبير الوطني المجتزأ إلى تخطيط إقليمي مشترك. فمن غير المقبول أن تقوم إحدى الدول بإجراءات إصلاحية جدية كإعتماد مخططات تدبيرية تراهن على تخفيف مجهود الصيد، وترسيم  فترات للراحة البيولوجية وإغلاق مناطق في وجه الصيد ..  وإعتماد حزمة من الآليات التقنية والتنظيمية، في حين تواصل دول أخرى استنزاف نفس المخزون دون ضوابط أو تنسيق، بما يهدد جدوى أي مجهود فردي ويبقي الجميع في دائرة الأزمة.

فالدعوة اليوم إلى إلتزام سياسي حقيقي نحو شراكة إقليمية تقوم على مبادئ الإنصاف البيئي والسيادة المشتركة على الموارد العابرة للحدود. لأن التحديات الكبرى التي طرحتها الورشة العلمية لا تخص بلدًا دون غيره، بل تهم مصير مصايد حيوية تُعتبر العمود الفقري للأمن الغذائي ولبنة أساسية في النسيج الإقتصادي والإجتماعي للمناطق الساحلية. وقد شكلت التوصيات الختامية للورشة، بما فيها الدعوة إلى إحداث آليات إقليمية للرصد والتدبير والتنسيق، خطوة متقدمة على درب طويل يتطلب الإرادة، والوضوح، والشجاعة الجماعية لإعادة الاعتبار إلى مصيدة الأسماك السطحية الصغيرة،  بإعتبارها عنصر مركزي في أمن واستقرار مستدام لمنطقة بأكمله.

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا