دخل ملف إصلاح الصيد التقليدي بالمغرب مرحلة دقيقة مع انطلاق جولة جديدة من المشاورات بين كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري وممثلي الهيئات المهنية، في سياق تسريع وتيرة تنزيل مجموعة من الإجراءات التنظيمية الرامية إلى إعادة هيكلة القطاع وتعزيز استدامته. وقد شكل الاجتماع المنعقد يوم الاثنين 22 يونيو 2026 محطة مفصلية في مسار حوار يتواصل منذ أشهر، بالنظر إلى طبيعة الملفات المطروحة وما تثيره من تباين بين الرؤية الإدارية وانتظارات المهنيين.

وناقش اللقاء، الذي جمع ممثلي الإدارة برئيس جامعة غرف الصيد البحري والكونفدراليتين الوطنية والمغربية للصيد التقليدي، (ناقش) جملة من القضايا المرتبطة بتنظيم النشاط، من بينها التخصص في أصناف الصيد، وضبط حمولة القوارب، ومناطق الاستغلال، وتعميم نظام التتبع عبر الأقمار الصناعية، إلى جانب معايير قياس السويلكة واستعمال معدات الصيد، بما ينسجم مع متطلبات المحافظة على الثروة السمكية.
ويأتي هذا الحراك في وقت تتجه فيه السلطات إلى استكمال الإطار التنظيمي المرتبط بتصريح مصطادات السويلكة على الصعيد الوطني، تمهيداً لاعتماد شروط جديدة لمنح الرخص ابتداء من سنة 2027 بالنسبة للقوارب النشيطة في صيد الأسماك السطحية الصغيرة. غير أن الملف الذي استأثر بأكبر قدر من النقاش ظل هو التخصص في أنشطة الصيد، باعتباره أحد المداخل التي تراهن عليها الإدارة لتنظيم الجهد الاستغلالي وضبط الضغط على الموارد البحرية.
ورغم إقرار الفاعلين المهنيين بأهمية تحديث القطاع، فإنهم عبروا عن تحفظ واضح تجاه اعتماد التخصص بصيغته الحالية، معتبرين أن خصوصية الصيد التقليدي تقوم أساساً خصوية المناطق وإختلافها من جهو ، وعلى المرونة والتكيف مع التحولات الموسمية وتغير وفرة المصايد من جهة ثانية. ويرى المهنيون أن فرض تخصص صارم قد يحد من قدرة البحارة على تنويع مصادر دخلهم ويضعف مردودية عدد من الوحدات البحرية، خاصة في المناطق التي تفرض طبيعتها البيئية والاقتصادية تعدد أنماط الإستغلال. لذلك برز اتجاه يدعو إلى قصر التخصص على القوارب الموجهة لصيد الأسماك السطحية الصغيرة دون تعميمه على باقي الأنشطة في هذه المرحلزة.
هذا التباين في المواقف دفع الإدارة إلى تبني مقاربة أكثر مرونة، عبر تأجيل الحسم النهائي في الملف والاتجاه نحو تنظيم لقاءات جهوية موسعة تسمح بدراسة خصوصيات كل منطقة على حدة، في محاولة لبناء تصور توافقي يجمع بين متطلبات التنظيم وحاجيات الممارسة الميدانية.
وفي موازاة الجدل المرتبط بالتخصص، عاد مطلب مراجعة حمولة قوارب الصيد التقليدي إلى واجهة النقاش باعتباره أحد أبرز انشغالات المهنيين. فمع التطور الذي عرفته معدات الملاحة والسلامة ووسائل الإنتاج، أصبحت الحمولة المعتمدة حالياً، بحسب الفاعلين، غير قادرة على استيعاب التجهيزات الضرورية دون التأثير على توازن القارب واستقراره. ومن هذا المنطلق تتواصل المطالب برفع حمولة قوارب السويلكة إلى أزيد من 05 أطنان، باعتبار ذلك إجراءً مرتبطاً بالسلامة البحرية أكثر من ارتباطه بزيادة القدرة الإنتاجية.
ويستند هذا الطرح إلى معطيات ميدانية، تفيد بأن وزن الشباك الدائرية والمعدات الإلكترونية ووسائل الإنقاذ والطاقة والوقود والمؤن أصبح يشكل ضغطاً إضافياً على القوارب، خصوصاً خلال فترات اضطراب الأحوال الجوية. كما دعا عدد من المتدخلين إلى مراجعة مواصفات بعض الأصناف البحرية وتحديث الأسطول عبر اعتماد قوارب أكثر ملاءمة للظروف الحالية، مع توفير آليات دعم تمكن المهنيين من مواكبة هذا التحول. كما شهد الاجتماع طرح مقترح الرفع من قوة محركات قوارب الصيد التقليدي إلى أربعين حصاناً، وهو المقترح الذي أحيل على المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري لإبداء الرأي العلمي والتقني بشأن انعكاساته على السلامة والاستدامة.
وتكشف النقاشات الجارية أن قطاع الصيد التقليدي يقف اليوم أمام لحظة مفصلية قد ترسم ملامح نموذج جديد للحكامة البحرية، قوامه التوفيق بين متطلبات الاستغلال الرشيد للموارد وتحسين شروط اشتغال البحارة. غير أن نجاح هذا المسار سيظل رهيناً بقدرة مختلف الأطراف على إنتاج حلول توافقية تراعي الخصوصيات المحلية وتستجيب للتحولات التي يعرفها القطاع، حتى لا تتحول الإصلاحات المنتظرة إلى مصدر توتر جديد داخل نشاط يشكل ركيزة اقتصادية واجتماعية لآلاف الأسر المغربية.




























