بين الأمن والطبيعة .. لماذا تخسر البيئة معارك المضائق ؟

0
Jorgesys Html test

في لحظة تاريخية يختلط فيها هدير السفن الحربية بضجيج أسواق الطاقة، يبدو أن المحيطات فقدت مكانتها في سلم الأولويات الدولية. إذ لم تعد البحار تُرى كفضاءات للحياة والتوازن البيئي، بل كمسارح مفتوحة لتصفية الحسابات الإستراتيجية، حيث تتقدم اعتبارات الأمن والنفوذ على كل ما عداها. في خضم هذا التحول، يتوارى السؤال البيئي إلى الخلف، وكأنه  إختيار مؤجل إلى زمن السلم، رغم أن كلفته تتراكم بصمت وبلا رجعة. حيث شكل هذا الموضوع محور مقال مطول للناشط البيئي محمد التفراوتي رئيس مركز آفاق بيئية للإعلام البيئي والتنمية المستدامة ، تحت عنوان “الاقتصاد الأزرق في زمن الحرب: لماذا تختفي البيئة من معادلة المضائق الحيوية؟”

ووفق ذات المقال، تتوالى القمم الدولية بإعلانات طموحة لحماية المحيطات، لكن هذه الإلتزامات سرعان ما تتبخر أمام أول اختبار جيوسياسي. في مضيق هرمز، الذي يعبره نحو خمس الإمدادات النفطية العالمية، يتحول التوتر العسكري إلى تهديد مباشر بإحداث كوارث بيئية، أبرزها التسربات النفطية التي قد تدمر منظومات بيئية دقيقة في مياه ضحلة وصعبة الاحتواء. وفي البحر المتوسط، تتشابك النزاعات السياسية مع رهانات الطاقة والانتشار العسكري، ما يفاقم الضغط على نظام بيئي يعاني أصلًا من التلوث والتغيرات المناخية.

هذا الواقع يعكس فجوة عميقة بين التعهدات الدولية والممارسات الفعلية. فحين تتقدم أولويات الأمن والطاقة، تتراجع حماية البيئة إلى مرتبة ثانوية. في مناطق النزاع، لا تقتصر الأضرار على ما هو مباشر يؤكد كاتب المقال، بل تشمل أيضًا آثارًا تراكمية ناتجة عن التدريبات العسكرية، وتسرب المواد الخطرة، والأنشطة المرتبطة بالتنقيب عن الغاز، بما في ذلك التلوث الضوضائي الذي يربك حياة الكائنات البحرية ويهدد توازنها الحيوي. تزداد الصورة تعقيدًا عندما تتقاطع هذه الضغوط مع آثار التغير المناخي، مثل ارتفاع درجات الحرارة وتحمض المياه، ما يضع النظم البيئية أمام اختلال مزدوج يقلص قدرتها على التعافي. وهكذا، تتحول المحيطات إلى فضاءات مستنزفة، تتلقى ضربات متزامنة من الطبيعة والسياسة معًا.

وفي مواجهة هذه التحديات، يتعين على المجتمع الدولي اتخاذ خطوات حاسمة لتغيير الأولويات الجيوسياسية. فالخبراء الذين إعتمد عليهم كاتب مقال الإقتصاد الأزرق في زمن الحرب ،  يؤكدون إن البيئة لا تعترف بالحدود، وتدهور النظام البيئي في دولة ما يتسبب في تهديدات لجميع الدول المجاورة. لذا، يجب أن يصبح الحفاظ على المحيطات جزءًا لا يتجزأ من استراتيجيات الأمن الدولي، وليس مجرد قضية ثانوية تُهمل في زمن الحرب. كما أن هذه الحماية البيئية تتطلب تعزيز الآليات القانونية الدولية، التي تلزم الأطراف المتنازعة باحترام البيئة البحرية أثناء النزاعات المسلحة، وهو أمر لا يزال يشوبه العديد من الثغرات في القانون الدولي.

إضافة إلى ذلك، يظل الإعلام عاجزًا عن تسليط الضوء على الأبعاد البيئية للصراعات إستنادا لذات المصدر. إذ يظل التركيز الإعلامي محصورًا في جوانب الصراع الجيوسياسي وارتفاع أسعار الطاقة، بينما يتجاهل التأثيرات البيئية المدمرة التي تترتب على هذه النزاعات. كما أن الأبحاث العلمية التي تُجرى في مناطق النزاع غالبًا ما تعيقها السياسات المحلية التي تعتبر المعلومات البيئية من أسرار الدولة، مما يحد من قدرة العلماء على تقديم تقديرات دقيقة حول المخاطر البيئية المشتركة.

وعلى الرغم من هذه التحديات، يبقى هناك تفاؤل في نبرة كاتب المقال في أفق إحداث تغيير. لكن ذلك يتطلب أكثر من مجرد تصريحات من القادة السياسيين، بل ضرورة وضع استراتيجيات واضحة لحماية البيئة البحرية من تداعيات الحروب. إذ يجب أن تتضمن هذه الاستراتيجيات تفعيل آليات قانونية تُجبر الأطراف المتحاربة على إجراء تقييمات بيئية استراتيجية قبل اتخاذ أي إجراءات عسكرية في الممرات البحرية الحساسة. كما يجب العمل على تمويل المشاريع البيئية العابرة للحدود في مناطق النزاع، وتعزيز دور المنظمات المدنية في مراقبة التلوث الناجم عن الأنشطة العسكرية.

ويخلص المقال إلى أن البحر لم يعد مجرد فضاء بعيد عن السياسة والأمن؛ بل  ساحة معركة تتقاطع فيها مصالح الدول والقوى الكبرى على حساب استدامته. لذا، فإن التحول الحقيقي في التفكير السياسي يتطلب إدراك أن حماية البيئة البحرية ليست خيارًا، وإنما ضرورة ملحة لضمان استقرار الأجيال القادمة. فإذا استمرت القوى الكبرى في جعل أمنها الجيوسياسي في المقام الأول، ستظل البيئة البحرية رهينة لمعادلات القوة العسكرية، لتبقى الكارثة البيئية تلوح في الأفق.

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا