في تغطية تثير أكثر من علامة استفهام، اختارت قناة فرانس 24 مقاربة خبر حادث الاصطدام البحري قبالة جزيرة خيوس اليونانية من زاوية توحي بتصفية حسابات سياسية وإعلامية مع المغرب، مستغلة مأساة إنسانية أودت بحياة خمسة عشر مهاجراً أفغانياً، لتحميل مغربي أُوقف على خلفية الحادث أبعاداً تتجاوز الوقائع المعلنة والمعطيات القضائية المتوفرة.

فبحسب ما أعلنته شرطة الموانئ اليونانية، جرى توقيف مواطن مغربي يبلغ من العمر واحداً وثلاثين عاماً، بعد اصطدام بين قارب يقل مهاجرين وزورق تابع لخفر السواحل اليوناني، في حادث مأساوي ما تزال ملابساته التقنية والقانونية قيد التحقيق. غير أن التغطية التي قدمتها فرانس 24 ذهبت سريعاً نحو ترسيخ صورة نمطية جاهزة، عبر التركيز المكثف على جنسية الموقوف، وتقديمه، استناداً فقط إلى إفادات ناجين، في موقع “المهرب” المسؤول عن الكارثة، قبل صدور أي حكم قضائي نهائي.
اللافت في هذه المعالجة هو القفز على معطيات أساسية تتعلق بدور خفر السواحل اليوناني نفسه في الحادث، وظروف الاصطدام، وسياق المطاردة البحرية التي كثيراً ما تُثار بشأنها انتقادات من منظمات حقوقية دولية، خصوصاً ما يتعلق بالإستخدام المفرط للقوة أو المناورات الخطيرة في عرض البحر. فبدل طرح أسئلة مشروعة حول كيفية وقوع الإصطدام، ومسؤولية الطرف الأقوى والمجهز عسكرياً، اختارت القناة الفرنسية توجيه السرد في اتجاه واحد، يُحمّل فرداً بعينه كامل المأساة، ويوحي ضمنياً بامتداد المسؤولية إلى بلد ينتمي إليه ، على الرغم من كون الموقع الجغرافي المعني بالحادث بعيدا كل البعد عن السواحل المغربية كما أن من كان على متن القارب هم من قارة أخرى غير القارة الإفريقية التي ينتمي إليها المغرب ، على إعتبار أن بلاغ خفر السواحل اليوناني أكد أن الأمر يتعلق بمواطنين أفغان وبالتالي الأمر يتعلق بتحرك من آسي.
هذا الأسلوب لا يمكن فصله عن سياق أوسع تتكرر فيه محاولات بعض المنابر الإعلامية الفرنسية الزج بالمغرب في قضايا الهجرة غير النظامية، رغم أن الوقائع الميدانية تؤكد أن شبكات التهريب عابرة للجنسيات، وأن ضحاياها في الغالب يُستغلون من طرف منظومات إجرامية معقدة، لا تختزل في جنسية شخص أو اثنين. كما أن التسرع في توصيف الوقائع، وإستباق نتائج التحقيق القضائي، يطرح إشكالاً مهنياً وأخلاقياً حول احترام قرينة البراءة، وحول توظيف المآسي الإنسانية لخدمة سرديات سياسية أو تحريرية مسبقة.
إن المأساة التي شهدتها سواحل خيوس تستدعي معالجة إعلامية رصينة، تضع الإنسان في صلب الإهتمام، وتناقش جذور الهجرة القسرية، ومسؤوليات السياسات الأوروبية في إدارة الحدود، بدل الإنزلاق نحو إختزال الحدث في “مذنب جاهز” وجنسية قابلة للإستثمار الإعلامي. فحين تتحول الأخبار إلى أدوات انتقائية، يفقد الإعلام دوره في الإخبار والتنوير، ويصبح شريكاً في إعادة إنتاج صور نمطية لا تخدم الحقيقة ولا العدالة، ولا تُنصف ضحايا قضوا في البحر بحثاً عن حياة أفضل.




























