رندة بدوكة.. تجربة نسائية ملهمة في منظومة الصيد البحري بالمضيق

0
Jorgesys Html test

رندة بدوكة امراة شقت طريقها بين أحضان البحر ، لتصبح اليوم واحدة من النساء اللواتي صنعن لأنفسهن مكانة مميزة وسط المنظومة البحرية بالواجهة المتوسطية للمغرب. فمسارها المهني لم يكن مجرد وظيفة، بل رحلة طويلة من التعلم والتجربة، قادها الشغف بالبحر إلى تحقيق خطوات مهمة في مجال الصيد و السلامة البحرية والتأطير المهني.

بدأت قصة رندة مع البحر سنة 2012، حين التحقت بمعهد تكنولوجيا الصيد البحري بمدينة العرائش، حيث خضعت لتكوين تقني دام سنتين. وخلال هذه الفترة اكتسبت معارف تقنية مهمة في مجال الصيد البحري، لتتوج مسارها الدراسي سنة 2014 بالحصول على دبلوم تقني من الدرجة الثالثة، وهو ما فتح أمامها الباب لولوج عالم البحر من بابه المهني.

بعد التخرج مباشرة، خاضت أول تجربة ميدانية لها على متن مركب لصيد السردين بميناء المضيق. كانت تلك التجربة تقول راندة بمثابة اللبنة الأولى نحو فهم حقيقي لطبيعة العمل في البحر، حيث اكتشفت عن قرب تفاصيل حياة البحارة، وتعرفت على إيقاع العمل في عرض البحر، كما اكتسبت خبرة عملية شكلت الأساس لمسارها المهني اللاحق.

ولم تكتف رندة بتلك التجربة، بل رغبت في توسيع آفاقها داخل قطاع الصيد التقليدي، خاصة في ما يتعلق بالعمل داخل الجمعيات والتعاونيات المهنية. ورغم أن العمل في هذا المجال قد يبدو صعباً بالنسبة للنساء تقول راندة، فإنها لم تشعر بأي تردد في خوض هذه المغامرة المهنية. وعلى عكس ما كان يتوقعه البعض، وجدت دعم وتشجيع كبير من البحارة، الذين تقاسموا معها خبراتهم ونصائحهم بكل ترحاب.

في سنة 2015 عادت إلى ميناء المضيق لتطوير مهاراتها أكثر، هذه المرة في مجال خياطة وإصلاح الشباك. خصوصا انها التقت مع احد قيدومي المهنة المتخصصين في مجال خياطة شباك،  بحيث كانت ثلاثة أيام متواصلة كافية ، تعلمت من خلالها راندة أساسيات مسك تقطيعة الشبكة وكيفية إصلاحها وتركيبها. ورغم أن الثقة في البداية لم تكن سهلة، حيث تردد بعض المجهزين في تسليم شباكهم لإصلاحها، فإنها واصلت التعلم والمثابرة إلى أن اكتسبت خبرة مكنتها من إثبات كفاءتها بشكل مباشر و ميداني .

وبموازاة مسارها المهني، تابعت رندة دراستها الجامعية وحصلت على إجازة في القانون الخاص. غير أن هذا المسار الأكاديمي لم يبعدها عن شغفها الحقيقي، إذ ظل البحر بالنسبة لها المجال الذي وجدت فيه ذاتها، والفضاء الذي ترغب في مواصلة العمل داخله. فقد شكلت سنة 2017 محطة مفصلية في مسيرتها المهنية، حيث بدأت الانطلاقة الفعلية نحو مسؤوليات أكبر، بعدما عملت بمنصب ربان لخافرة الإنقاذ. وقبل الوصول إلى هذه المرحلة، كانت قد راكمت تجربة مهمة من خلال الإبحار على متن عدة مراكب صيد بمختلف أنواعها، سواء في الصيد الساحلي أو الصيد التقليدي، إلى أن استوفت المدة القانونية التي مكنتها من الحصول على إجازة ربان الصيد.

ومن خلال عملها كربان لخافرة الإنقاذ، أصبحت رندة أكثر قرباً من البحارة وحياتهم اليومية. وقد عززت هذه التجربة سنوات عملها كمساعدة داخل مندوبية الصيد البحري بالمضيق، وهي تجربة امتدت لما يقارب عشر سنوات، مكنتها من اكتساب معرفة دقيقة بواقع القطاع وبالتحديات التي يواجهها البحارة. ولم يتوقف مسارها عند هذا الحد، إذ أتيحت لها فرصة جديدة للعمل مع مركز التكوين في الصيد البحري بالمضيق، التابع لمعهد العرائش. ومن خلال هذا الدور، انتقلت علاقتها بالبحارة من مجرد ممارسة مهنية إلى مساهمة فعلية في مجال التكوين والتأطير المهني.

كما دفعها حبها الكبير للبحر إلى تطوير مهارات إضافية في مجال الغوص البحري، حيث تابعت تكويناً متخصصاً توجته بالحصول على دبلوم مدربة في الغوص. وقد مكنها هذا التكوين من تعزيز المعارف التي تقدمها خلال الدورات التكوينية التي تشرف عليها، خاصة في ما يتعلق بالسلامة البحرية والأنشطة المرتبطة بالبحر. واليوم تشارك رندة بدوكة في تكوين البحارة من خلال نقل الخبرات والمعارف التي راكمتها عبر سنوات من الدراسة والعمل الميداني. وهكذا تحولت تجربتها من مرحلة كانت فيها تتلقى النصائح والتوجيهات من البحارة في بداية مسارها، إلى مرحلة أصبحت فيها هي من يساهم في تكوين الأجيال الجديدة من البحارة.

وقد أتاح لها هذا المسار التعرف على عدد كبير من البحارة في مختلف نقط التفريغ الممتدة من بليونش إلى واد لاو، وهو ما ساهم في توسيع شبكة علاقاتها المهنية وتعزيز حضورها داخل قطاع الصيد البحري. فبالنسبة لرندة، يبقى البحر أكثر من مجرد مجال للعمل؛ إنه مدرسة للحياة تعلمت منها الصبر والشجاعة وروح المسؤولية. ورغم التحديات التي قد تواجه المرأة في هذا القطاع، فإنها استطاعت بفضل الإرادة والإجتهاد أن تبني مساراً مهنياً تفتخر به. واليوم تطمح إلى مواصلة تطوير خبرتها والمساهمة أكثر في تكوين البحارة ونشر ثقافة السلامة البحرية، إيماناً منها بأن مستقبل قطاع الصيد البحري يرتكز على الكفاءة والمعرفة واحترام هذا المجال الحيوي.

Jorgesys Html test

أضف تعليقا

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا