استقبلت جهة الداخلة وادي الذهب، وفداً يمثل الفدرالية الوطنية للصيد الموريتانية، في زيارة ميدانية تهدف إلى الاطلاع على التجربة المغربية في تنظيم وتطوير قطاع الصيد التقليدي، واستكشاف فرص التعاون المهني وتبادل الخبرات بين الفاعلين في البلدين الجارين. حيث تندرج هذه الزيارة في سياق تنامي الاهتمام الإقليمي بقضايا الاقتصاد الأزرق والتنمية المستدامة للموارد البحرية، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لتعزيز الأمن الغذائي وخلق فرص الشغل وتحقيق التنمية بالمناطق الساحلية.

وشكل مقر جمعية الإنقاذ بمدينة الداخلة محطة رئيسية ضمن برنامج الزيارة، حيث احتضن اجتماعاً تواصلياً جمع أعضاء الوفد الموريتاني بعدد من الفاعلين المهنيين في قطاع الصيد التقليدي، بحضور ممثل الصيد التقليدي بغرفة الصيد الأطلسية الجنوبية مولاي الحسن الطالبي، الذي قدم عرضاً شاملاً حول واقع القطاع بالجهة، مسلطاً الضوء على التحولات التي شهدها القطاع خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى التأطير المهني أو تطوير البنيات التحتية وتحسين ظروف عمل البحارة، فضلاً عن الأدوار الإقتصادية والإجتماعية التي يضطلع بها في دعم التنمية المحلية.
وتميز اللقاء الذي ينعقد في سياق عام يعرف فيه فطاع الصيد التقليدي بجهة الداخلة وادي الذهب تطورات هامة بعد مصادقة مجلس الجهة على إتفاقية لإستكمال برنامج تأهيل قرى الصيد التقليدي، تميز بنقاشات موسعة حول التحديات المشتركة التي تواجه قطاع الصيد التقليدي في المغرب وموريتانيا، خاصة ما يتعلق بضمان استدامة الموارد البحرية والحفاظ على التوازنات البيئية، إلى جانب بحث آليات تطوير التعاون بين المهنيين في البلدين بما يعزز فرص التكامل الإقتصادي ويفتح آفاقاً جديدة للشراكات المهنية جنوب-جنوب.
وفي تصريح للصحافة، أكد ديدة بمت ازيد بيه ولد الإمام، عضو الفدرالية الوطنية للصيد الموريتانية، أن الزيارة تندرج في إطار تبادل التجارب والخبرات والإطلاع على النماذج الناجحة في تدبير القطاع، معربة عن تقديرها لحفاوة الاستقبال الذي حظي به الوفد في الداخلة. وأوضحت أن اختلاف خصوصيات الصيد التقليدي بين البلدان والمناطق يجعل من تبادل الخبرات ضرورة ملحة لتطوير الأداء المهني ومواجهة التحديات المشتركة.
وأضافت الفاعلة في قطاع الصيد الموريتاني، أن مختلف المحطات التي تضمنها برنامج الزيارة مكنت الوفد من الوقوف على جوانب القوة التي تميز التجربة المغربية بجهة الداخلة وادي الذهب، كما أتاحت فرصة لتشخيص عدد من الإكراهات التي تواجه المهنيين في البلدين، معتبرة أن النقاشات التي جرت خلال اللقاءات أفرزت مؤشرات إيجابية، بشأن إمكانيات التعاون المستقبلي القائم على مبدأ المنفعة المتبادلة رابح – رابح.
وتوقف المشاركون خلال المباحثات عند عدد من القضايا ذات الطابع الإستراتيجي، من بينها التفاوت الحاصل بين الأساطيل البحرية وتأثير بعض وسائل الصيد على البيئة البحرية، ولاسيما الصيد بالجر، إضافة إلى إشكالية التمثيلية المهنية للصيد التقليدي داخل المؤسسات المنتخبة والهيئات التقريرية. وأبرزت النقاشات المكانة المحورية التي يحتلها الصيد التقليدي باعتباره قطاعاً يوفر فرص العيش لآلاف الأسر، ويساهم بشكل مباشر في الإستقرار الإجتماعي والإقتصادي بالمناطق الساحلية.
وفي إطار برنامجها الاستطلاعي، قامت البعثة الموريتانية بزيارة إلى مركز التأهيل المهني البحري بالداخلة، حيث اطلعت على التجربة المغربية في مجال تكوين وتأهيل الموارد البشرية العاملة بقطاع الصيد البحري. وخلال هذه المحطة، قدم مدير المركز عبد الجليل الهلالي عرضاً مفصلاً حول البرامج التكوينية المعتمدة والتخصصات المتاحة، فضلاً عن جهود المؤسسة في تعزيز كفاءات البحارة وترسيخ ثقافة السلامة البحرية والرفع من مستوى الاحترافية داخل القطاع.
كما مكنت الزيارة أعضاء الوفد من الإطلاع على التجهيزات البيداغوجية والتقنية الحديثة التي يعتمدها المركز في تكوين المتدربين، إلى جانب المناهج المعتمدة في مجالات الملاحة والسلامة واستعمال المعدات والتقنيات المرتبطة بمهن الصيد البحري. وأبدى أعضاء الوفد اهتماماً خاصاً بالتجربة المغربية في مجال التكوين البحري، معتبرين أن الاستثمار في العنصر البشري يمثل أحد المفاتيح الأساسية لتطوير قطاع الصيد التقليدي وتحسين مردوديته وقدرته على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها القطاع على الصعيدين الإقليمي والدولي.
وتعكس هذه الزيارة الدينامية المتنامية التي تشهدها العلاقات المهنية بين المغرب وموريتانيا في المجالات المرتبطة بالاقتصاد البحري، كما تبرز الرغبة المشتركة في بناء شراكات عملية قادرة على مواجهة التحديات البيئية والاقتصادية التي تفرضها التحولات المتسارعة في قطاع الصيد البحري.
ويرى متابعون أن هذه المبادرة تتجاوز بعدها المهني المباشر، لتكتسب أبعاداً اقتصادية واجتماعية وجيوسياسية مهمة، بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي الذي يحتله البلدان على الواجهة الأطلسية الإفريقية، وما يتيحه ذلك من فرص لتعزيز التكامل الإقليمي وتطوير الاقتصاد الأزرق كرافعة للتنمية المستدامة والتعاون جنوب-جنوب، في منطقة باتت الموارد البحرية فيها تمثل رهاناً استراتيجياً لمستقبل التنمية والاستقرار.
يذكر أنه على المستوى الرسمي هناك لجنة مشتركة مغربية موريتانية في قطاع الصيد ، وهي اللجنة التي توجت أشغالها المنعقدة السنة الماضية على هامش الدورة السابعة من معرض أليوتيس بتوقيع ثلاث اتفاقيات في مجال الصيد البحري، تشمل ثلاث مجالات رئيسية، الأولى تتعلق بالمراقبة الصحية والبيطرية، والثانية تهم البحث البحري وتنفيذ برامج علمية مشتركة بين 2025 و2026، فيما تهدف الاتفاقية الثالثة إلى تطوير التكوين البحري وتحسين جودة البرامج التعليمية المتعلقة بقطاع الصيد البحري. فيما وقع المكتب الوطني للصيد والشركة الموريتانية لتسويق الأسماك، منتصف السنة الماضية بالدار البيضاء، بروتوكول اتفاق يهم تطوير تسويق المنتجات البحرية. وهو ما يؤكد الزخم المتنامي للتعاون المغرب الموريتاني في الصيد البحري.




























