تعززت المكتبة الوطنية بإصدار توثيقي جديد للباحث والإعلامي حاميد حليم بعنوان «مجمع البحرين: الصيد البحري في الذاكرة المغربية – رحلة عبر العصور في الموروث البحري المغربي»، وهو عمل يروم إعادة الاعتبار لذاكرة البحر باعتبارها جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية ورافدًا من روافد التاريخ الإجتماعي والثقافي للمغرب. حيث يقدم المؤلَّف قراءة معمقة تستند إلى تفاعل التاريخ المكتوب مع التراث الشفهي لمجتمعات الصيادين على امتداد السواحل المغربية، من الريف إلى الصحراء، في محاولة واعية لصون موروث بحري مهدد بالاندثار تحت وطأة التحولات المتسارعة.

وينفتح الكتاب على عوالم الصيد التقليدي بما تحمله من ممارسات وأدوات وطقوس وأهازيج ومعارف متوارثة، مرتبطة بدورات المواسم وحركة الرياح واهتداء البحارة بالنجوم. ويؤسس لمقاربة مركبة تتقاطع فيها حقول التاريخ البحري والجغرافيا الساحلية والأنثروبولوجيا الثقافية والذاكرة الشفوية، مدعومة بشهادات ميدانية ومعطيات أرشيفية ومراجع مغربية ومتوسطية وتحليل جيواقتصادي وإستراتيجي يضيء أبعاد القطاع في سياقاته المحلية والدولية.
ويمتد العمل على خمسة وثلاثين فصلًا في أكثر من ثلاثمائة صفحة، موزعة على أربعة أجزاء كبرى، تتبع تطور الصيد البحري عبر الحقب من العصر الحجري إلى العصر الحديث، وتستجلي التراث الثقافي والاجتماعي لمجتمعات الساحل، ثم ترصد التحولات الإقتصادية والإستراتيجية التي عرفها القطاع، قبل أن تقف عند التحديات الراهنة، من الهجرة الصامتة إلى اندثار المهن والرموز والزخارف البحرية. وبهذا البناء المتدرج، يتيح المؤلف للقارئ رؤية شمولية تربط الماضي بالحاضر وتستشرف المستقبل.
ويعتمد الكتاب مقاربة متعددة التخصصات تمزج بين التاريخ والأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا البحرية، مستندًا إلى رصيد متكامل من المصادر، واسع ومتعدد اللغات يضم مصادر عربية ومغربية وأجنبية، إلى جانب وثائق أرشيفية وتقارير رسمية وصحافة تاريخية وشهادات حية. إذ أن هذا التنوع في المنابع يمنح العمل قيمة علمية وتوثيقية رفيعة، ويجعله مرجعًا مفتوحًا للباحثين والمهتمين بتاريخ البحر ومجتمعات السواحل.
ولا يكتفي «مجمع البحرين» بوظيفة التوثيق، بل يثير أسئلة جوهرية حول الذاكرة البحرية والهوية والتنمية المستدامة، ويعيد طرح علاقة الإنسان المغربي ببحره باعتبارها علاقة حضارية تشكلت عبر تفاعل التأثيرات الأندلسية والمتوسطية والإفريقية والأطلسية. إذ يأتي صدور هذا العمل في سياق وطني ودولي تتعاظم فيه أهمية الواجهة الأطلسية للمغرب ودور أقاليمه الجنوبية كجسر جيو استراتيجي يربط إفريقيا بعمقها العالمي، ليؤكد أن صون الذاكرة البحرية ليس فعل حفظ للماضي فحسب، بل هو استثمار في المستقبل وتعزيز لرهانات التنمية والتموقع الاستراتيجي.




























