تتزايد في الآونة الأخيرة المؤشرات التي تنبه إلى اتساع ظاهرة التلوث المرتبط بمعدات الصيد في السواحل الجنوبية للمغرب، وهي ظاهرة لا تقف عند حدود الإزعاج البيئي فحسب، بل تمتد آثارها إلى مستقبل الثروات البحرية واستدامة أنشطة الصيدK التي تشكل مصدر رزق لآلاف الأسر. فقد أكدت مصادر مهنية من ربابنة الصيد الساحلي وأعالي البحار، أن شباكهم لم تعد ترفع من المياه محملة بالأسماك فقط، بل باتت تنتشل معها أعدادا كبيرة من القوارير والغراريف البلاستيكية المتخلى عنها في عرض البحر، في مشهد يعكس حجم التحولات التي طرأت على الممارسات المرتبطة ببعض طرق الصيد.
وتفيد المعطيات المتداولة بين مهنيي القطاع، بأن آلاف القوارير البلاستيكية التي ظلت تستعمل في فترات سابقة في صيد الأخطبوط بسواحل الداخلة تسطوطن أعماق المصيدة، حيث أصبح من الصعب رفع شباك الصيد دون أن تكون بين المصطادات عشرات هذه العبوات. ويتجلى هذا المشهد بشكل واضح في الشريط الساحلي الممتد بين النقطتين البحريتين 24.00 و24.40، الذي تحول بفعل ممارسات غير مسؤولة إلى ما يشبه حزاما من القوارير البلاستيكية والأدوات المتلاشية، من بينها فؤوس ومخلفات مختلفة، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن تأثير هذا الوضع على التوازن البيئي وعلى مستقبل مصيدة الأخطبوط بالمنطقة.
الغراف الطيني بين الطموح البيئي وتحفظات المهنيين
في مواجهة هذا الواقع، تراهن كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري على تعميم ما يعرف بالغراف الطيني كبديل بيئي يمكن أن يحقق نفس الفعالية التقنية التي يوفرها الغراف البلاستيكي، مع تقليص الأثر السلبي على الحياة البحرية. ويستند هذا التوجه إلى فكرة بسيطة لكنها ذات بعد استراتيجي، تتمثل في استبدال أدوات الصيد غير القابلة للتحلل بوسائل طبيعية تنسجم مع طبيعة القاع البحري. وقد طرحت كتابة الدولة في وقت سابق استبيانا موجها للبحارة والمهنيين من أجل استقراء آرائهم وانتظاراتهم بخصوص هذا التحول، مع التركيز على الجوانب العملية واللوجستيكية المرتبطة باعتماد هذا البديل في الممارسة اليومية.
وقد تم بالفعل اعتماد الغراف الطيني في بعض الموانئ في إطار تجربة أولية، غير أن هذه الخطوة كشفت عن انقسام واضح داخل الأوساط المهنية، خاصة بين بحارة الصيد التقليدي. فبينما رحب بعضهم بهذا التوجه باعتباره خطوة ضرورية لحماية البيئة البحرية والحد من التلوث البلاستيكي، أبدى آخرون تحفظات ملحوظة مرتبطة بمتانة هذه الوسيلة الجديدة مقارنة بنظيرتها البلاستيكية. إذ يرى عدد من المهنيين أن الغراف الطيني أكثر عرضة للانكسار والتلف، وهو ما قد يطرح إشكالات عملية خلال موسم صيد الأخطبوط الذي يتطلب استعمالا مكثفا ومتواصلا لهذه الأدوات.

وتتواصل الجهود التحسيسية لتوسيع إعتماد هذه الوسيلة الجديدة، وسط تباين في المواقف. فبعض البحارة أكدوا إنخراطهم في التجربة على أمل أن تسهم في تحسين صورة القطاع وتعزيز استدامة المصايد، بينما يفضل آخرون التريث في انتظار نتائج التجارب الميدانية. ويشير هؤلاء إلى أن هشاشة مكونات الغراف الطيني، قد تؤدي إلى تزايد الأعطال والإنكسارات، الأمر الذي يعني تكاليف إضافية يتحملها المهنيون في ظل ظروف اقتصادية ليست دائما مريحة.
وفي هذا السياق يشدد عدد من الفاعلين المهنيين على ضرورة إخضاع الغراف الطيني لتجارب ميدانية أوسع، وأكثر عمقا قبل اتخاذ قرار نهائي بشأن تعميمه. فالمطلوب، بحسب رأيهم، ليس فقط استبدال مادة بأخرى، بل تطوير أداة صيد قادرة على التكيف مع واقع الممارسة البحرية القاسية. ويقترح بعضهم التفكير في تدعيم هذا المنتوج الطيني بمواد إضافية تعزز صلابته وتقلل من احتمالات انكساره، مع إشراك تقنيين ومختصين قادرين على تصميم نموذج يجمع بين الفعالية التقنية والسلامة البيئية.
البحر بلا بلاستيك مبادرة لتخليق الممارسات البيئية في حاجة للتحفيز القطاعي
مع مرور السنوات وتوالي المبادرات أصبح شعار “البحر بلا بلاستيك” غاية تتنافس من أجله الأطقم البحرية لاسيما في الصيد في أعالي البحار، حيث أبدعت مجموعة من شركاتالأعالي حلولا موحدة، تقضي بجمع القمامة، والقوارير البلاستيكية أثناء رحلاتهم البحرية الطويلة، والعودة بها عند الولوج إلى الموانئ لإجلائها وتسليمها إلى الجهات المكلفة باستعادة وجمع النفايات، خاصة البلاستيكية منها. إذ أنه وفي هدا الإطار عمدت بعض الشركات إلى تخصيص حوافز مالية لتحفيز أطقم السفن لهذه المبادرة بما يحفز الوعي بأهمية احترام البيئة، وتطبيق القواعد والشروط لحمايتها.

ويشدد فاعلون على الحاجة الملحة لإدخال تدابير مفيدة للحد من القمامة البحرية، من قبيل وضع قيود على استخدام مواد بلاستيكية يمكن التخلص منها، لصالح إعادة استخدام واستخدام المواد القابلة للتحلل، مع تحفيز الصيادين في إتجاه جمع القمامة البحرية في البحر وعدم التخلي عنها عند رفعها، وهو ما يتطلب توفير المرافق والمعدات لتخزين النفايات، بما في ذلك أليات تتيح ضغط وتدوير النفايات البلاستيكية ومعدات الصيد، التي يتم الإستغناء عنها على ظهر السفينة، حتى لا تشغل مساحات أكبر تعيق نشاط الأطقم البحرية، مع تنظيم دورات تحسيسية وتدريبية يقودها الربابنة لمعالجة النفايات البحرية .
التخلي عن معدات الصيد في البحر مشكلة عالمية تتطلب حلولا متوازنة
تشير المعطيات أن القوارير البلاستيكية ليست وحدها ما يثير القلق ، بل هناك الكثير من المعدات المولوتة التي ترفعها الشباك حيث تعكس هذه الإشكالية المحلية تحديا عالميا أوسع يتعلق بتلوث البحار بمعدات الصيد. فقد كشفت دراسة تم نشر نتائجها قبل ثلاث سنوات ، أن كميات خيوط الشباك التي يتم التخلص منها سنويا في المياه المالحة من طرف الصيد التجاري يمكن أن تدور حول الأرض أكثر من ثماني عشرة مرة. وتشير المعطيات المستخلصة من استطلاع شمل صيادين من سبع من أكبر دول الصيد في العالم، من بينها المغرب، إلى أن مئات الآلاف من الكيلومترات من الخيوط الطويلة وآلاف الكيلومترات المربعة من الشباك المختلفة تُفقد في المحيطات كل عام، إضافة إلى ملايين المصائد وأوعية الصيد ومليارات الخطاطيف.
وتعرف هذه المعدات المفقودة بإسم معدات الصيد الشبحية، وهي قادرة على الإستمرار في صيد الكائنات البحرية بشكل عشوائي لعقود طويلة، ما يتسبب في نفوق أعداد كبيرة من الحيوانات البحرية سنويا. ولا تقتصر آثار هذه الظاهرة على الجانب البيئي فحسب، بل تمتد أيضا إلى الجوانب الإجتماعية والإقتصادية، إذ تؤثر في استدامة المصايد وفي توازن الأنظمة البيئية البحرية التي يعتمد عليها قطاع الصيد.

وتشير تقارير أن النقاش حول بدائل أدوات الصيد البلاستيكية لم يعد مجرد خيار تقني، بل أصبح جزءا من معادلة أوسع تتعلق بكيفية التوفيق بين متطلبات حماية البيئة وضمان إستمرارية نشاط إقتصادي حيوي. وهو نقاش يظل مفتوحا بين مختلف الفاعلين، من سلطات عمومية ومهنيين وباحثين، في أفق إيجاد حلول عملية تضمن حماية البحر دون أن تثقل كاهل البحارة بتحديات جديدة.




























